عرض كتاب : الإسلام السياسي ووهم «الخلافة».. غموض وتناقض / بقلم محمد المنى

محمد المنى/ صحفي بقسم وجهات نظر في جريدة الاتحاد الاماراتية

لا شعوب من دون قيادة، والعدالة مطلب إنساني.. لكن أين «نظام الحكم الإسلامي» في هذا كله، وكيف يكون؟ هكذا يستهل المستشار الأستاذ الدكتور فاروق حمادة كتابه «مفهوم الخلافة الإسلامية.. جدلية النموذج بين الماضي والحاضر»، فيبين في مقدمته أنه لم توجد مجموعات بشرية عبر التاريخ إلا ولها ضابط من السلطة، أي نظام ورئاسة تدير شؤونها وتحافظ على وجودها ومصالحها، وتكون مرجعها عند حدوث الاختلاف والتنافر. لذا تحدث القرآن الكريم عن عدة مجتمعات وأمم كانت ترجع إلى نظام حاكم، مشيراً إلى أن صلاحيات الحكام اختلفت من مكان إلى مكان ومن زمان إلى آخر. أما الآيات التي تتحدث عن العدل ففيها تأكيد على حقيقة كونه مطلباً إنسانياً لا تقوم الحياة بدونه.

 

ويتطرق المؤلف إلى «القيادة النبوية» وبدايات المجتمع الإسلامي، موضحاً أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة، جمع قبائل العرب تحت قيادته، وكان فيهم: النبيَّ المرسل، والمسؤولَ الأولَ، ورئيس الدولة، وإمام الصلاة، والقاضي، وقائد الجيش، والساهر على أمن المجتمع وسيادته. ولما توفي برزت أكبر قضية سياسية واجتماعية عند المسلمين، ألا وهي القيادة، أي: مَن يقوم مقام النبي؟ لقد أجمع الصحابة على وجوب تنصيب شخص يقوم على رأس القيادة ويتحمل المسؤولية، وإلى إجماعهم هذا استند المسلمون من بعد في تعيين الخليفة. ومن هنا أيضاً ذهب جمع إلى أن وجوب نصب الخليفة مدركه العقل لضرورة الاجتماع البشري ولعدم إمكانية عيش الناس منفردين، وحاجتهم إلى أطر لتنظيم الصراعات وإدارة التناقضات. وقرر أهل السنة وجمهور المسلمين وجوب نصب الإمام، لكنه من فروض الكفايات ويُرجَع فيه إلى أهل الحل والعقد واختيارهم، وليس من أصول الدين والعقائد، بل هو أمر فقهي مصلحي يرتبط بالأمور الدنيوية.

 

وإذ لا توجد آية قرآنية أو حديث نبوي يحدد من يتولى القيادة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تنوعت كيفية تولي الخلفاء الراشدين الحكمَ؛ من بيعة بالنسبة لأبي بكر، إلى استخلاف مع البيعة لعمر، إلى اختيار وشورى في حالة عثمان، إلى بيعة من طائفة من الناس لعلي.. مما يؤكد أن الأمر خاضع للزمان والمكان، وما من صيغة ثابتة ملزمة فيه.

وقد انتقلت الخلافة إلى بني أمية على يد معاوية بن أبي سفيان بالغلبة واعتماداً على قرشية الخليفة، وحصل التحول الكبير في تاريخ الحكم في الإسلام عندما أخذ معاوية البيعة من الناس بولاية العهد لابنه يزيد بن معاوية. ثم قامت دولة بني العباس بالغلبة على يد أبي العباس عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس (الملقب بالسفاح)، لكن الدولة العباسية أصابها الضعف خلال القرون اللاحقة، ولم يبق للخليفة فيها من الخلافة غير اسمه، فقامت دول متعددة تكاثرت مع الأيام.

 

لكن كيف كان موقف الفقهاء وعلماء الشريعة من تفرق الأمة إلى دول بعد أن كانوا يرون وجوب نصب خليفة واحد يحكم المسلمين جميعاً؟

 

يجيب المؤلف قائلًا بأن هذا الموقف تطور عبر العصور، لما لاحظه العلماء والفقهاء من حقائق واقعة تتطلب تغيير كيفية عقد الخلافة وتطويرها لتواكب الوقائع والمتغيرات تبعاً للزمان والمكان، حتى وصل الأمر عند ابن خلدون إلى قوله: «فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا مَن سواهم، وإنما يخص هذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة».

 

وعلى أنقاض الخلافة العباسية قامت السلطنة العثمانية التي حكمت معظم العالم الإسلامي لعدة قرون باسم الخلافة والدين، لكنها سقطت وقامت على أنقاضها الدول الوطنية، فبدأ المسلمون وبعض مفكريهم يلتفتون إلى هذه النازلة التي حلت بهم، محاولين الاعتصام بنموذج يستثيرون به الهمم، ويردون به الغزاة الأوروبيين، فلم يكن ذلك النموذج إلا ذكرى الخلافة الراشدة، فأكثروا من الحديث عنها وحاولوا الرجوع إلى المصادر الدينية والفكرية لتحديد ملامح هذه الخلافة التي يضعونها أمامهم مثالًا يسعون إليه. لكن، وكما يؤكد المؤلف، فإن الأحاديث النبوية التي استدل بها دعاة العودة إلى الخلافة، وهم يحاولون استثارة مشاعر المسلمين وعواطفهم آنذاك (ومن أبرزهم جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده)، لا تقدم فكرة واضحة عن نظام دولة، لهذا بقيت فكرة الخلافة التي تعلقوا بها غامضة وعاطفية.

 

ومع ذلك، يقول الدكتور فاروق حمادة، فقد بقي هاجس الخلافة والدولة الواحدة يخامر أفكار الإسلاميين الذين ينطلقون من النصوص الدينية عموماً، فقامت حركات إسلامية تدعو إلى دولة الخلافة، وتحكيم الشريعة، وتعارض من تصفهم بالتيار العلماني. ومن أولى هذه الحركات جماعة «الإخوان المسلمين» التي أسسها حسن البنا في مصر خلال أربعينيات القرن الماضي، و«حزب التحرير الإسلامي» الذي أسسه الفلسطيني تقي الدين النبهاني المتوفى عام 1977.

 

وقد حاول البنا استثارة المشاعر العاطفية لدى المسلمين، مانحاً مسألة الدولة ونظام الحكم والقيادة الصدارة والأسبقية على كل ما عداها. وليؤكد ذلك جعل الدولة والحكم من أصول الشريعة وليس من الفروع الاجتهادية، خلافاً لما أجمع عليه علماء الإسلام السنة، مسايراً الشيعة الذين اعتبروها أصلا من أصول الدين.

 

لكن رغم ذلك الانشغال الكبير بفكرة الخلافة لدى حركات الإسلام السياسي، فقد ظلت هذه الفكرة، كما يلاحظ المؤلف، مفهوماً غامضاً تلفه العواطف والخيالات، ما جعلهم يتخبطون في تعاملهم من الحكومات القائمة ويتذبذبون في مواقفهم تجاه الأحداث الجارية. وتطور الأمر مع «القاعدة»، ومن بعدها «داعش» التي ارتكبت باسم «الخلافة» أشنع الممارسات وأفظع الانتهاكات.

 

وهكذا فالخلافة، بمعنى الحكم وطرق توليه والدولة وبنيتها واختصاصها، وعلاقتها بالمجتمع وأفراده، ما تزال فكرة غائمة عند التيارات السياسية الإسلامية المعاصرة، إذ ليس لديها مشروع واضح ولا خطاب ناضج في ذلك.

 

محمد ولد المنى

 

الكتاب: «مفهوم الخلافة الإسلامية.. جدلية النموذج بين الماضي والحاضر»

 

المؤلف: فاروق حمادة

 

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

 

 المصدر