عرض كتاب: الطاغية- دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي لمؤلفه أ.د. إمام عبد الفتاح إمام / معتصم الحارث الضوّي

معتصم الحارث الضوّي / إعلامي سوداني

هذا كتاب يرفض أن يغادر زمننا؛ إذ أن الطروحات التي خطّها كاتبه الراحل، إمام عبد الفتاح إمام، سنة 1994، ما زالت تتصل بحاضرنا المقيت، وربما تجاورنا لسنوات عديدة من مستقبلنا المنظور.

 

يُعد إمام عبد الفتاح أكبر المتخصصين في فلسفة هيغل باللغة العربية، حيث ترجم مؤلفاته وكتب عنه العديد من الدراسات؛ افترعها برسالته للماجستير بعنوان “المنهج الجدلي عند هيغل”، وأتبعها برسالته للدكتوراة بعنوان “تطور الجدل عند هيغل”، ولكن كتاب “الطاغية” أشهر كتبه بلا منازع، ولا عجب، إذ يلامس موضوع الكتاب قضية مؤرقة للغاية في هذا الجزء من العالم، وكما يذكر الكاتب في مقدمة الكتاب، فإن موضوع الطاغية بالغ الأهمية، ولكنه لم ينل حقه من الدراسة والبحث في مكتبتنا العربية، خاصة لطول إلفنا بالطاغية: المخلص، الزعيم الأوحد، المنقذ، القائد المهلم، مبعوث العناية الإلهية والرئيس الذي نفتديه بالروح وبالدم!!

 

يمهد الكاتب بذلك الموقف الحاسم إزاء قضية الطغيان، ولكي تتعزز الصورة، فإنه يضيف بأن الحكم لا يستقيم طالما تداخلت معه أمور من قبيل الدولة الدينية والمستبد العادل، ثم يقول بالفصل التام بين السياسة والأخلاق فلكل منهما مضماره، وطالما كان المقام لتوضيح آرائه دون مواربة، فإنه يوضح بأن التاريخ الإسلامي قد حفل بفساد السلطة، وأنه لا سبيل للتقدم العلمي أو الاجتماعي أو الإنساني في الوطن العربي سوى بتربية أجيال قادرة على التفكير النقدي.

 

هكذا كان الكاتب الراحل جريئا منذ السطور الأولى في عرض قناعاته دون إلباسها ثوبا من الرياء أو دهنها بطبقة من المجاملة، بل أطلق عباراته جريئة لاستفزاز عقل القارئ وتهيئته لتلقي الجرعة المعرفية والنقد العنيف الذي يوجهه لأوضاعنا المقلوبة.

 

يركز الكاتب في الفصل الأول، وموضوعه فلسفة السلطة، على آراء الفيلسوف توماس هوبز، قائلا إنه أول المنظّرين بأن الفوضى هى الحالة الطبيعية في حياة البشر، وأن المجتمع المنظم شيء مصطنع، وعارض بذلك فكرة أرسطو التي ظلت سائدة حتى عصر النهضة بأن الإنسان مدني بطبعه، وأنه يُقبل بفطرته على الحياة في جماعة سياسية منظمة.

 

يساير الكاتب هوبز في تنظيراته، ويتفق معه بأن الحياة الإنسانية تحتاج إلى التنظيم، والذي يتأسس بدوره على القانون، كما يتطلب سلطة يخضع لها المجتمع، وينشأ بذلك ما يتعارف عليه فقهاء القانون بالاختلاف أو التمايز السياسي، أي انقسام المجتمع إلى فئتين: حاكمة ومحكومة، وتتألف الفئة الحاكمة من مستويين: سياسي يهيمن على الإقليم والشعب والسلطة، واجتماعي يسيطر على المجتمعات، مثالا الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية.

 

كاتبنا بطبيعة الحال حريص على الإصلاح، ولذا فإنه يُحذر بصورة حازمة بأن الخلط بين السلطتين يحدث كثيرا، وتترتب عليه أضرار بالغة، وبغرض التقعيد، فإنه يُورد حزمة من النظريات التي تفسّر نشوء السلطة السياسية؛ فيشيرُ إلى الثيوقراطية التي تبرر إطلاق يد الحاكم لأنه يستمد السلطة من شخصيته المقدسة، والتعاقدية التي تمثل الأساس للأنظمة الديمقراطية الحديثة، ولا سيما مكوّنها الرئيس، العقد الاجتماعي، لدى جون لوك وجان جاك روسو، ويختتم بالتطورية، ويضرب لها مثلا تفسير أرسطو لتكون المجتمع عبر التطور الأسري.

 

للحديث بقية.

المصدر : الكاتب/