على هامش زيارة الزاوية الحموية بانيور … مذاكرات ومحاضرات ودروس ومدائح / د.أحمد ولد نافع

د.أحمد ولد نافع*

تشرفت في الأيام القليلة الماضية بزيارة الخليفة العام للزاوية الحموية الأم بمدينة انيورو الساحل ( 60 كلم جنوبي الحدود المالية مع موريتانيا) الشريف الشيخ محمدُّو بن شيخنا أحمده حماه الله الشريف. وهو شخصية إسلامية بارزة في دولة مالي و غرب إفريقيا عموما.

و يعتبر الخليفة الشيخ محمدُّو شيخنا حماه الله من أهم القادة و الزعماء المسلمين المؤثرين في واقع الإسلام و المسلمين في هذا الزمان و إحدى أهم مرجعيات السلم والأمن في المنطقة بشهادة الجميع.

و يتزعم الشيخ محمدُّو خلافة الطريقة الحموية التيجانية اليوم ،وهي إحدى الطرق الصوفية الأبرز والأظهر تأثيرا في بعض دول غرب إفريقيا منذ ظهورها وانتشارها قبل قرن من الآن ( و تحديدا خلال  الفترة 1902 م   – 1909 م ) ، حيث تسلّم زعامتها الروحية والده المباشر والشريف التيشيتي الشاب الشيخ أحمد بن محمدو بن سيدنا عمر من شيخه الجزائري من أصول تونسية الشيخ سيدى محمد بن عبد الله ( الملقب الأخضر، و المتوفى بمدينة انيورو الساحل سنة 1909 م) وقام برحلته التاريخية الشهيرة من شمال إفريقيا بالجزائر حتى حط عصا السفر في السودان الغربي (اسم يطلق على مالي في عهد الاستعمار)، في مهمة مقدسة تمت بتكليف خاص من الشيخ سيدي الطاهر بوطيبة التلمساني، الذي يصنف ضمن الشخصيات البارزة في الطريقة التيجانية، حيث اشتهر كخليفة للزاوية التيجانية بمدينة “تلمسان”، كما أنه أحد الخاصة المفتوح عليهم في هذه الطريقة التيجانية … وقد شهد له بالوصول للخلافة الأحمدية التجانية وبالتقديم العام من الشيخ الصوفي الكبير الشريف أحمد بن محمد التيجاني رضي الله عنه، وعلى يديه – أي الطاهر بوطيبة التلمساني –  اشتهرت الطريقة بنواحي تلمسان ومما يقال عنه إنه صاهر الشيخ  التيجاني رضي الله عنه وحج معه واعتمر، و توفي سنة 1295 هجرية  وضريحه معروف ويزار “(كشف الحجاب ص 114 .. و للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لمقالنا  وهو متاح على شبكة المعلومات الدولية الانترنت، بعنوان :” عن التصوف المجاهد في غرب إفريقيا الحموية نموذحا”).

ومنذ ظهور الطريقة الحموية التيجانية  فإنها ظلت قبلةً و مثابةً للعلماء و الفقهاء و الصلحاء والأكابر في عموم المنطقة ، حيث توافدوا عليها واندرجوا في الانتماء لها، الشيء الذي أزعج المستعمر الفرنسي الذي كان يستعمر المناطق الغرب افريقية في ذلك الوقت و بدأت مرحلة من الاستهداف المكشوف و المباشر للطريقة و شيخها و مقدميها و عامة مريديها .

فمثلا فإن زعيم الحموية الشيخ الشريف أحمده حمى الله قد تعرض للاعتقال و النفي القسري في مالي و السنغال و ساحل العاج و موريتانيا خلال الفترة (1925-1935 م) ، ثم تكرر المشهد نفسه بعد ذلك  إلى موريتانيا و الجزائر و فرنسا  في سنة 1941 م .

و إثر ذلك تم هدم مقر الزاوية  وتسوية منازل الشيخ في المدينة بالأرض بعد نهبها وتم اعتقال أسرة الشيخ  و العدوان عليها بوحشية و صلافة، كما تم أسر أتباعه في معتقلات جماعية، و صدرت قرارات وتعليمات فورية نافذة بنفي رموز الطريقة من مقدمين و أعيان وعلماء إلى مناطق نائية في شمال مالي ليموت الكثير منهم هناك في أحوال بالغة القساوة.

و بعد ذلك أعلن المستعمر الفرنسي وفاة الشيخ حماه الله في فرنسا في ظروف غامضة سنة 1943 م دون أن يقدم أدلة أو براهين واضحة كالجثمان مثلا أو المتعلقات الشخصية للشيخ كملابسه وسبحته.. الخ، و ذلك في ظل حكومة بيير لافال العميلة للاحتلال الألماني النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.

والخليفة الحالي للحموية الشيخ محمدُّو شيخنا أحمده حماه الله هو آخر أنجال الشيخ حماه الله الأحياء و قد ازدهرت الطريقة على يديه وتضاعفت أعداد مريديها وأتباعها في دولة مالي والدول المجاورة ( تذهب بعض التقديرات غير الرسمية أن الحاضنة الحموية  من مريدين و محبين تبلغ حوالي الثلاثة ملايين في جمهورية مالي فقط).

وهو أحد المصلحين الكبار و الدعاة الوسطيين المعتدلين المتميزين للدين الإسلامي  الحنيف و له نفوذ متعاظم و هيبة و مكانة مؤثرة في الرأي العام في دولة مالى، و باتت العاصمة الروحية للحموية ( ولاية انيورو الساحل) هي العاصمة الثانية للدولة تقريبا في تأثيرها الروحي و السياسي في الدولة ، و لهذا فإن الجميع من مدنيين و عسكريين و قادة رأي و زعماء دينيين و مجتمع مدني من كافة أنحاء البلاد و غيرهم ، كل هؤلاء لا بد أن يسجّلوا حضورهم  في هذه العاصمة الروحية للحموية  لزيارة الخليفة الشيخ محمدو، الذي يلقبه الإعلام في مالي ب” أشرف الشرفاء” .

كما أنه يقوم بدور إصلاح ذات البين بين الشعوب والأقوام على جانبي الحدود، وكثيرا ما ينجح في حل المشاكل المستعصية التي تحدث بين الفينة والأخرى، ولا تستغني السلطات في مالي وموريتانيا عن جهوده ومؤازرته لأي موضوع يعنيها في المجال الحيوي للحموية .

لقد كانت مناسبة زيارتي للوالد  الفاضل والمربّي الكبير والخليفة الشيخ محمدو شيخنا حماه الله فرصة مهمة للحديث له عن جامعة العلوم الإسلامية بالعيون وكلياتها وتخصصاتها والأدوار المنوطة بها والانتظارات التي من المؤمل أن تحققها لفائدة الشعب والدولة باعتبارها أول تجربة للامركزية التعليم العالي في موريتانيا.

كما سعدتُ بحضور يومي لمذاكراته ومحاضراته ودروسه في فضاء الزاوية الحموية، حيث تنقل مباشرة عبر الأثير مصحوبة بترجمة إلى اللهجة الإفريقية المحلية، وهي دروس علمية في غاية الإمتاع والإفادة  والشمول والتنوع، و تبدأ بقراءة  أحزاب من القرآن العظيم و التدبر في آياته و مواعظه، ثم تستعرض فصولا من التصوف السني و تناقش بعض رؤى ومرويات الصالحين و الزهاد والعباد قديما وحديثا، وكذلك بعض تاريخ الحموية وجهادها السلمي ودورها في نشر الإسلام و الثقافة العربية، و بين هذا وذاك قصائد شعرية فصيحة دعوية روحية مع ذكر الله ذكرا كثيرا و متواصلا يأخذ بتلابيب الروح إلى أجواء إيمانية تعز عن الوصف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث و أستاذ جامعي – عميد كلية الشريعة بجامعة العلوم الإسلامية بالعيون