عن تواصل / ابوالعباس برهام

أبو العباس ابراهام/ كاتب وباحث سياسي

عن تواصل … كُنتُ قد انتهيتُ عن القولِ في “تواصُل” لعدّة أسباب: منها أنّني لم أعد كاتِباً يومياً في شأنِنا؛ ومنها أنّ “تواصل” قد فقد بالنسبة لي تلك الخصوصيّة التي كانت تستدعي القولَ الدؤوب فيه. وسأعود إلى هذا. ومنها أنّ القول في “تواصل” ما كان كالقولِ في غيرِه. فأنا لم أخسر صداقاتٍ في السياسة كما خسرتُها في نقدِ “تواصل”. وسأقولُ هذا بمرارة: فقد حدثِ لي هذا مع ناسٍ ساكنتُهم وكسرتُ معهم الخُبز أو تسامرتُ معهم افتراضِياً.

 

والواقِع أنّهم لم يكونوا كلُّهم تواصليين علنياً، وإن كانوا كذلك بالطابور أو بالتَقِيّةً والكِتمان، وأحياناً بالتكليف: تكليفٌ بالنبذ العلني إلى أن يأتِيَ أمرُ الله ويُؤذنَ بالجهر بالدّعوة. ولم يخلُ عادِل إمام من معاداةٍ للسامِيّة عندما قال إن الراحِل محمود عبد العزيز “يُمثِّلُ أنّه في يهودي؛ وهو في الحقيقة يهودي”. وكان أحدُ هؤلاء كلِفاً بي إلى أن لم يعد يُطيق تعريضي بحزبه الذي ليس بحِزبِه. وأتوقّعه في قادم الانتخاباتِ مُرشّحَه. أما الآخر فقد وصفني يوماً بأنّني كاتِبٌ كبير؛ ثمّ عنّ له، بعد تكشّف أنيابي، أنّني لا أعرِف شيئاً عدا علامات الترقيم. ولا شكّ أنّني لستُ كاتِباً كبيراً (وهذا في حدِّ ذاتِه لا يضعُه هوّ في مقامٍ جيِّد)؛ ولكنّني أعرِفُ شيئاً أكثر من علامات الترقيم.

 

أما على أيامي فإن “تواصل” كان ذا خصوصية. وقد فشلنا في إيقاظ الهبّة ضدّ من يلينا، ويُعادِينا، منه لأن التصوّر الشعبي كان أنّ أهلُه أهل الله وأن الملائكة تغشيهم بالظِّلال؛ وأن من لم يعطِهم صوتاً فلا تخلو مروءتُه من أنْ يحلَّ عنهم. وكان كلّ همِّنا أن يُفهَم أنّ هؤلاء أهلُ سياسة يبيعون فيها ويشترون، كما غيرُهم، بل أنّ لهم وسائل سلطوية ليست لغيرِهم من الفقراء. ثمّ إن الأيام تتالت. وفيما كان “تواصل” حميداً لا يؤذى فيما مضى فإن ظاهرة كره “تواصل” صارت اليوم شعبية وصار لها اسمُ حتّى: الحُموضة. والواقِع أن التواصليين ردّوا بعُنفٍ على مُخالفيهم فاستعدوهم. ولكنّهم في إثارة هذه الأحقاد قد خسروا نقطة قوّتِهم القديمة: التصامُم والتسامي.

 

وقد دخل الحِزب في المنطِق العِلماني وفي الدورة السياسية وبزّ فيها غيره. والواقِع أنّه صارَ أكبر حِزب معارِض بسبب قدرتِه على المناورة والميكيافيليّة وضرب الإجماع الأخلاقي للمعارضة. ثمّ إنّ انتخابات 2013-2014 كانت فرصته الميكافيلية في التمدّد في الجسم العشائري. ثمّ إن التحوّلات التي شهدَتها الأحزاب الإسلاموية في المنطقة قد أسقطت تمثيلها للإسلام مع سقوط برامِجها الشريعية. ثمّ إن ظهور حركة شريعيّة على يمين هذه الحركة قد قوّض رومانسيتها بالشريعة أو بتمثيلها. ثمّ إن قيامَها بالمال وامتلاكَها منه ممّا لا تمتلِكُه لا مُعارضة ولا موالاة قد نفى عن الحزب سردية الفُقراء المحرومين. ثمّ إن دخول علماء هذا الحزب في الحروب الطائفية العربية ثم في الاستثراء المشيخي قد نفى عن هؤلاء العلماء سردية التنسّك والترهّب وعدم الأغراضية التي قاموا بها.

 

وحاصِلُ القول إنّه حزب مُحكم التنظيم، وفيه رجال صادِقون مُخلِصون، وإن لا يخلو من حروب أهلية وصراعات المال والمبادئ والسلطة والأخلاق؛ وأنّه بميكيافيلياتِه سيحيا فيما ستموت المعارضة الأخرى على مبدئياتِها، وأنّه بارتباطاتِه الروحية والسلطوية الإقليمة والدّولية سيبقى؛ وأنّ بقاءه غير مشروط بقيادة واحِدة، وإن كان كثيرٌ من التعبئة هو كاريزمي. أما المعارضة الأخرى فكانت للمبادئ والتحجّر حطباً، وأن لو استقامت على الميكيافيليّة لأسقيناها ماءً غدقاً.