عن صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم/ بقلم : الدكتور خالد محمود عبد اللطيف

الدكتور خالد محمود عبد اللطيف / كاتب ومفكر عربي / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي / المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة

لكل أمة عظماء يسطر التاريخ مآثرهم ويمجد أعمالهم ويخلد جزءًا من سيرهم وحياتهم ليكونوا نبراساً لمن بعدهم في عملهم وجهادهم وأخلاقهم، وحينما يتحدث الناس عن عظمائهم وقدوتهم فنحن المسلمون لنا عظيمنا وقدوتنا إنه رسولنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي صلى الله عليه وسلم.

يقول جابر بن سمرة رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان – أي ليلة مضيئة مقمرة – وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر.

وتحدث أبو هريرة رضي الله عنه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة رجل الشعر.

وتحدث أبو الطفيل رضي الله عنه فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري.

أثنى الله تعالى عليه وعدد محاسنه فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] ومن الله تعالى علينا به فقال: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، ظل ثلاثة وعشرين عاماً مجاهداً في سبيل هداية البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور ويكابد الدعوة ويجتهد في البلاغ، أخرج من موطنه وبلده مكة بسبب دعوته ووقف على أطرافها وهو يقول (والله إنك لأحب أرض الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت)، وفي طريق الهجرة لبلاغ هذا الدين لقي في الطريق المصاعب العظيمة ورحل للطائف بغية البحث عن ارض أحسن لدعوته فلم يجد أهل الطائف بداً من أن يرسلوا أطفالهم لرميه بالحجارة حتى سالت قدميه وعاد يائساً، وأراد أن يدخل مكة فرفضت قريش أن يدخلها، فلم يقف معه إلا المطعم بن عدي وأدخله في جواره، وأوذي في سبيل هذه الدعوة حتى كسرة رباعيته وشج وجهه – بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

وامتن الله تعالى عليه امتناناً لم يدون مثله التاريخ إلى يومنا هذا فرفع الله ذكره وأعلى شأنه مصداقاً لقوله تعالى ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]، قال قتادة (رفع الله ذكره في الدنيا، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وزادنا الله تعالى به منةً فجعله لنا أمنةً من العذاب فقال تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33] وجعل الله تعالى رسالته رحمة خالصة فقال تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، زكاه الله تعالى في كتابه الكريم بأعظم الصفات فقال تعالى ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾، وشهدت له بذلك ألصق الناس زوجته عائشة رضي الله عنها فقالت: كان خلقه القرآن.

وصل عظيم خلقه عليه الصلاة والسلام إلى أنه لم يضرب أحدا في حياته قط وشهد بذلك أعظم الناس محبة له وقربة عائشة رضي الله عنها فقالت: (ما ضرب بيده شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادماً قط ولا امرأةً).

وكان صلى الله عليه وسلم جميلاً أنيقاً، تحدث عنه أنس رضي الله عنه فقال: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان عليه الصلاة والسلام مثالاً للكرم والبذل والسخاء، شهد له بذلك أصحابه المقربون إليه، قال جابر رضي الله عنه: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: لا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير.

وتحدث أنس رضي الله عنه عن هذا الجانب فقال: سأله رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى بلده فقال لقومه: أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشي الفقر.

وبلغ في الشجاعة مبلغ الأمثال، ففي يوم حنين حين كان الفرار وقف ثابتاً على بغلته بين هزيج الأعداء وقوتهم وهو يردد بينهم (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، قيل فما رئي يومئذ أحد كان أشد منه.

كان عظيم الشفقة بهذه الأمة لدرجة أخبرت عنها زوجه عائشة رضي الله عنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، خشي أن يشق على أمته فلم يوجب السواك عليهم وقال (لو لا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)، وترك صلاة الليل خشية أن تفرض عليهم، وترك صلاة التراويح خوفاً من أن تكون واجبةً عليهم، وكان من شدة شفقته حين يسمع بكاء الصبي وهو في صلاته يتجوز في صلاته ويخفف فيها، ووقف يوماً من الأيام فقال عليه الصلاة والسلام (أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل له ذلك زكاة ورحمة وصلاة وطهوراً وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة).

وكذبه قومه، وردوا دعوته، فناداه جبريل وهو في طريقه فقال له: إن الله سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا).

كان من تواضعه أنه يركب الحمار، ويردف خلفه ولدان المدينة، ويعود المسكين ويمسح على رؤوس الأيتام، ويجيب دعوة الفقراء، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ويقضى حاجة كل من أتى له، ونقلت زوجته عائشة رضي الله عنها بعض تواضعه فقالت: كان في بيته في مهنة أهله يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه ويقيم البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم ويعجن معها، ويحمل بضاعته إلى السوق، ووصفه ابن القيم في أكله فقال (كان لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه).

هذه بعض معالم القدوة، وفي سيرته ما يعجز البيان عن ذكره، وصدق الإمام الغزالي رحمه الله حين قال (إن المسلم لا يعيش الرسول في ضميره ولا تتبعه بصيرته في علمه وتفكيره لا يغني عنه أبداً أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة).

:

إن المحبة الحقيقية وإن الولاء الحق لمحمد صلى الله عليه وسلم هو في اتباع رسالته والسير على هديه والدعوة إلى ما دعا إليه لدين ربه اقرؤوا إن شئتم قول الله: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، وإن الإيمان الصادق هو في تحكيم شرعه في كل مناحي الحياة ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]