عودة «لعمامرة».. والطريق إلى الرئاسة / خالد عمر بن ققه

في كثير من الأحيان تعمُّ الضبابيّة في مواقف الدول لأسباب مختلفة، من أهمها: الانشغال بما يحدث على مستوى جبهتها الداخلية من تطورات تَحُول في الغالب دون اتخاذها مواقف صريحة أو حتى الحفاظ على دورها وعلاقتها الدولية المتميزة، التي كللت بالعديد من النجاحات، وأحسب أن الجزائر قد تعرضت لهذا خلال السنوات الماضية، نظرا لتردي الأوضاع السياسية وما تبعها من حراك أثَّر ولا يزال على شبكة العلاقات الاجتماعية داخليّاً، وعلى علاقة الجزائر خارجيّاً.

 

مع ذلك حافظت «الدبلوماسيَّة الجزائرية» على الحد الأدنى من العلاقات، إذْ استطاعت أن تصْمد في وجه هزات كبرى، عملت فيها أطراف دولية على محاولة ابعادها من المشهد أو على الأقل التقليل من دورها، وقد ساعدها عن الصمود، ميراثها التاريخي المتمثل في وسطات كللت بنجاحات بين الأطراف المتنازعة أو حتى المتحاربة داخل بعض الدول، خاصة في أفريقيا، وأيضا بين دول كبرى على النحو الذي سجله التاريخ في ملف الرهائن الأمريكان بعد اسقاط الشاه في إيران.

 

بعد انتخاب الرئيس عبدالمجيد تبون لاحت في الأفق بوادر لعودة الدبلوماسية الجزائر بقيادة وزير الخارجية السابق، صبري بوقادوم، حيث أبلى بلاء حسنا، حافظ فيه على الثوابت المعروفة في علاقة الجزائر بدول العالم، والتي يمكن اختصارها في ثلاث مبادئ، هي: الحياد، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم الشعوب في تقرير مصيرها، ومع أن الوقائع والتطورات على الصعيد الدولي، كانت ضد تلك الثوابت إلا أن الجزائر وعبر الدور الفاعل والخطاب الصريح والواضح والمؤسس استطاعت الحفاظ على مواقفها على النحو الذي تابعناه في عدة محطات، ومن هنا حظيت بشبه قبول دولي، ولكن بتحفظ لأن ما يحدث في المنطقة العربية والقارة الأفريقية يتناقض تماما مع المبادئ التي قامت عليها الدبلوماسية الجزائرية.

 

لكن الأهم من هذا كله فإن صبري بوقادوم قُوبل باحترام داخلي، حتى أنه اعتبر أنجح وزير في حكومة عبدالعزيز جراد، ولذلك أثار عدم اختياره ضمن فريق الحكومة الجديدة عدة تساؤلات من الشعب وحتى من أوساط سياسية وحزبية، من أهمها: هل أن تغييره يعني تراجع سلطة الرئيس تبون لصالح أجنحة أخرى داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية؟، وهل يتوقع العودة التدريجية لعناصر فريق الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة؟، ومن يصنع القرار في الوقت الراهن، وتحديدا الخاصة بالوزرات السيادية؟.. ولماذا عاد رمطان لعمامرة؟

 

تلك الأسئلة وغيرها ليست لها إجابات واضحة حتى من أولئك المقربين من الرئاسة، وما يذكر باعتباره توقعات أو تكهنات يقدم صورة مشوهة ومشوشة، وتعيدنا إلى مربع الضبابية، لذلك لا يعول عليها كثيرا، لكن ما يعنينا هنا أمران: الأول: أن الوزير السابق صبري بوقادوم حاضر في الدبلوماسية الجزائرية وليس غائبا ولن يكون، بمعنى أن هناك توزيع أدوار من الرئاسة بين القيادات الدبلوماسية الجزائرية الفاعلة والنشيطة، وصاحبة العلاقات الدولية الواسعة، وهذا التوزيع تفرضه طبيعة المرحلة.

 

الأمر الثاني: تعيين رمطان لعمامرة وزير للخارجية للمرة الثالثة خلال فترة قصيرة، في حالات الاستقرار، والحرك، وما بينهما وما بعدهما، ما يعني أنه بعيد عن أي شبهة فساد، مع أن بعض السياسيين من الأحزاب، وكذلك بعض النشطين في الحراك، حاولوا أن يشوهوا صورته حين اختير نائبا لرئيس الحكومة ووزير للخارجية في حكومة نور الدين بدوي التي عينها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في مارس 2019، ومنها اتهامه بعد زيارة روسيا بالاحتماء بالخارج ضد الحراك، تماما مثلما شوهت صورته أطراف خارجية حين كان سيّعين مبعوثا أمميّاً إلى ليبيا خلفا للدكتور غسان سلامة.

 

عودة لعمامرة لقيادة الخارجية تَشِي بتغيرات منتظرة في المواقف الجزائرية الإقليمية والدولية، لجهة تكريس ثوابت دبلوماسية تراهن عليها الجزائر، اعتماداً على خبرة لعمامرة في هذا المجال وعلاقاته مع قيادات فاعلة على الصعيد الدولي، بما في ذلك بعض ممن هم في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن.

 

لعمامرة، وكما هو معروف، واحد من أبرز الشخصيات الإفريقية التي برز اسمها في عدّة وساطات دولية في القارة الإفريقية، أهمّها: قيادته لاتفاق مصالحة في مالي عام 2015، وهو أيضا أحد أهم الملمين بالملف الليبي، حيث سبق له أن لعب دورا محوريا في الأزمة التي شهدتها ليبيا، ودافع على مبدأ عدم السماح بأيِّ تدخلٍّ عسكري في ليبيا، وهذان الملفان ـ المالي والليبي ـ من أولويات الدبلوماسية الجزائرية في الوقت الراهن، ناهيك عن دوره المنتظر في إعادة ترتيب علاقة الجزائر بالدول الأفريقية على خلفية الوساطات الناجحة التي حققها في بعض الدول هناك.

 

يبقى أن هناك معلومات غير مؤكدة لكنها مؤسسة على خطاب سابق، وتتعلق ببداية انطلاق حملة ترشح لعمامرة للانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة وأن الرئيس عبدالمجيد تبون قد قال في حوار أجراه مع مجلة «لوبوان» الفرنسية في بداية يونيو الفائت:«إنه لا يفكر في الترشح لولاية رئاسية ثانية».

 

ومن المتوقع أن يحظى لعمامرة في حال ترشحه بدعم مؤسساتي، ودولي، وتبقى مشكلته مع الداخل، وهذه قد يحلها أو يقلل من تأثيرها بالنجاحات التي سيحققها على الصعيد الدبلوماسي في المستقبل.. هنا يطرح السؤال: أيكون ضم الجالية الجزائرية لوزارة الخارجية، بداية لعلاقة مع الشعب، حيث الانطلاق من الخارج صوب الداخل؟.. رُبَّما

 

المصري اليوم