عيّاش يحياوي.. الإمارات والعبور / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

الغالي عياش يحياوي.. حدَّثني كثير من أدباء الإمارات بعد رحيلك عن حبك لبلادهم، وهم محقون في ذلك، لكن ربما القلة منهم عرفت ـ أو قد تعرف الآن ـ أنك كنت تعتبر الإمارات من دول المواجهة على المستوى الثقافي، حتى أنك قُلْت لي ذات: « إن الصراع الحضاري في دول الخليج عامة، والإمارات على وجه الخصوص لا يقل في ضراوته وشدته عن ذلك الذي عاشته أمتنا في الأندلس»، وربما لهذا السبب عمل يحياوي بجد من أجل إحياء الذاكرة الجماعية لأهل الإمارات ضمن عدد من الدراسات ستظل مراجع يستقي منها الباحثون جيلاً بعد جيل، مراجع تصَّعدُ بنا نحو السماء للتمكين للشاعر والإعلامي والباحث.

 

اليوم، تضيق على مُحبِّيك ـ والمُقَدِّرين لقِيمَتك الأدبية ــ الأرض بما رحبت، ليس فقط لوفاتك وتلك هي نهاية كل حيّ، وإنما لكونك طورت مفهوم «الجهاد» الأكبر، وأثبتَّ أن الجزائر التي استشهد من أجلها والدك، قادرة على العطاء خارج حدودها، فلم تكن باحثاً عادياً في الإمارات، لأن المدخل لدراستك كان الحب لدرجة الوله، لماضي هذه الدولة المعاصرة ولحاضرها ومستقبلها.

 

لا أملك من الكلمات ولا حتى التعبير بالزفرات، ولا جُود عيني الخنساء لأثريك بما يليق بك، أيها الراحل المترجل، الباقي روحاً بين صفحات الكتب، والجاعل من سود الصحائف تراثياً أهمية تلغي بيض الصفائح، في تصحيح لمعنى العلاقات بيننا في دولنا التي يغرق بعضها في بحور من الدماء، ومع ذلك فأنا أتذكر اليوم وأنت تدلني منذ 3 أشهر فقط على الكيفية التي أُثْبِتُ بها جينياًّ انتمائي.. يومها كنت مزهواً بعد أن تمكنت أنت من معرفة أصولك العرقية، وقد تبدو في نظر البعض جاهلية، لكن حين تصدر من مثقف مثلك، همُّهُ بالأساس أن يمد جذوره في تربة بلده، وفي الأراضي مترامية الأطراف لأُمَّتِه، فسيكون الأمر أكثر تحضراً ومدنيَّةً.

 

من كثيرٍ باقٍ في ذاكرتي، أذكر قولك لي محذراً: «إيّاك أن تتعامل مع الإمارات وأهلها، بعقلية العبور، فهي أرض جذب ولقاء.. الإمارات ليست ـ كما يشاع ــ بيئة منفرة، لأنها كانت وستبقى ملتقى للبشر بمللهم ونحلهم المختلفة».. أسألك مستفسراً: قد ينطبق هذا على دراساتك وأبحاثك الثقافية، لكن كيف لي أن لا أتعامل معها بعلقية «العبور سياسياً»؟.. فتجيبني: «لتجعل جرأتك ومواقفك السياسية لصالح أمتك، ومن الإمارات تكون البداية».. عزيزي عياش أخذت بنصيحتك، فإذا بالعبور يتحول إلى مكوث ومشاركة وحب.

المصدر