قراءة في واقع البطالة في موريتانيا / سعد الدين ابوه

سعد الدين أبوه طالب جامعي

يتمدد شبح البطالة في موريتانيا بوتيرة متصاعدة ليشكل مع الوقت عائقا رئيسيا للتنمية في هذا البلد، ومن المرعب القول إن دولة تمتلك حوزة ترابية واسعة وغنية بالثروات الطبيعية ومساحات تقدر بآلاف الهكتارت الصالحة للزراعة، إضافة إلى ملايين رؤوس الإبل والغنم، ومع كل هذا يعيش نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر ويعاني ثلث شبابها من بطالة مزمنة رغم أن إجمالي تعداد سكانها لا يتعدى أربعة ملايين نسمة.
تتكرر هذه الأسطوانة كثيرا في مجالس الشباب العاطل عن العمل، وهي حقيقة لا غبار عليها، إذا ما أضفنا إليها بعض العوامل الاجتماعية الأخرى التي تساهم في تعميق أزمة البطالة لدى شباب هذا المجتمع ومنها الترفع عن ممارسة بعض المهن والأنشطة التجارية المدرة للدخل، مع العلم أن المنظور السوسيولوجي قد يقسم فئة الشباب الموريتاني إلى ثلاثة أنواع حسب المعطيات الاجتماعية والعرقية، فأبناء البيظان مثلا يمثلون الأغلبية من حيث العدد ويحملون خصائص سوسيو-ثقافية معينة، وأبناء “لحراطين” وإن لم يكونوا أقلية فإنهم يمثلون فئة مختلفة، تحمل خصائصها السوسيو-ثقافية الخاصة بها، وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء “الزنوج” الذين يحملون خصائص سوسيو-ثقافية ويمكن اعتبارهم أقلـــية في هذا السياق من حيث العدد.
إن محاولة تفسير الأسباب الاجتماعية لظاهرة “البطالة” في المجتمع الموريتاني تحتم علينا استحضار المعطيات السوسيو-ثقافية التي ذكرنا، ما دمنا نعالج الظاهرة في بعدها الاجتماعي، ولكننا إذا اضطررنا لمعالجتها من زاوية سياسية أو اقتصادية مجردة، فإن الأمر سيختلف بالتأكيد.
وإذا ما انطلقنا من زاوية نظر اقتصادية بحتة، فإن الواقــع يقول بأن النظام الاقتصادي في موريتانيا كما هو معروف نظام رأسمالي، يقوم على حرية التجارة وعولمتها، ما يعني تعدد وتنوع مجالات العمل وفرص التوظيف، فالقطاع العام وإن كان مساهمـا رئيسا في امتصاص البطالة لا يمكنه أبدا أن يستوعب كل الشباب دفعة واحدة، وإن اتفقنا في وجود بعض الشوائب المتعلقة بمعايير التعيين والتوظيف من حين لآخر.
أما القطاع الخاص، ورغم غياب معطيات علمية دقيقة حول مساهمته في امتصاص البطالة، فإنه مما لاشك فيه أنه يعتبر الفاعل الرئيسي الثاني في التشغيل والتوظيف، وخلق فرص العمل، ورغم قدرته على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب العاطل عن العمل فإن المؤشرات كلها تؤكد عجزه حتى الآن عن القيام بدوره في امتصاص البطالة مع ضرورة الإشارة إلى محاولات خجولة من بعض الفاعلين الاقتصاديين خلال السنوات الأخيرة.
و بالحديث عن القطاع الخاص، فمن المعروف بأن ازدهاره وتطور أنشطته مرهون بمدى حرية التجارة وتنقل البضائع من وإلى موريتانيا، وكلما تعددت أنشطة القطاع الخاص وتطورت كلما ازدادت الحاجة إلى بعض الخدمات المرتبطة به كالتوصيل والتأمين والصيانة والبيع والتسويق والتوزيع والخدمات الرقمية إلخ…
إن توسع وتنوع الأنشطة التجارية يدفعنا للقول بكل ثقة إن آفاقا واعدة يمكن أن يجدها الشباب العاطل عن العمل إذا توجه للبحث عن ذاته في قطاع الخدمات المرتبطة بالقطاع الخاص، سواء كان هذا التوجه بإرادته الخاصة أو بوجود سياسات تحفيزية تفرضها الحكومة على شكل تشريعات وقوانين.
وعند هذه النقطة بالذات نصطدم بحاجز المعطيات السوسيو-ثقافية التي أشرنا إليها سابقا، فشباب مكونة البيظان مثلا لا يمارسون أغلب الأنشطة الخدمية المرتبطة بالقطاع الخاص نظرا لأن “مكانتهم الاجتماعية لا تسمح بذلك”، بينما يعجز أغلب شباب مكونة “لحراطين” عن ممارسة تلك الأنشطة نظرا لانتشار الأمية وعدم تمدرس أغلبهم بفعل عجز أسرهم عن الإنفاق على دراستهم وتلك معضلة تطرح أسئلة تاريخية لن نخوضها في هذه الجولة القصيرة.
أما شباب مكونة “الزنوج” فإن معدلات الأمية والجهل أقل حدة في أوساطهم، نظرا لعوامل تاريخية تتعلق بالإقبال على التمدرس باللغة الفرنسية وبالتالي قدرتهم على النفاذ إلى العديد من القطاعات الخدمية وحتى الإدارية الحكومية، ومما تتميز به هذه الفئة أن عقدة “المكانة الاجتماعية” التي تعيق نفاذ الكثير من شباب فئة البيظان إلى سوق العمل الحرة غير مطروحة لديهم، بالتالي فإن المتمدرس منهم يحظى بفرص عديدة في سوق العمل التي تتطلب مستوى معينا من التعليم، بينما يقبل غير المتمدرسيـن منهم بشكل كبير على ممارسـة الأنشطة الخدمية التي لا تتطلب مستوى تعليميا كبيرا، كالصيانة والمهن اليدوية وغير ذلك.
وحتى لا تكون جولتنا هذه مجرد تفسير لظاهرة لا يخفى على المتعلم وغير المتعلم وجودها، وما تسببه من تعطيل لطاقات الشباب وقتل لأحلامهم وهدر لأوقاتهم، سنخلص للقول بأن الحل يكمن في تجاوز العقدة الاجتماعية بالنسبة لأبناء شريحة البيضان، وترسيخ قيم المدرسة الجمهورية التي تضمن لجميع أبناء الوطن النفاذ للتعليم بغض النظر عن القدرة الاقتصادية لأسرهم، مع ضرورة سن قوانين وتشريعات تفرض على الفاعلين الاقتصادين المحليين والأجانب توظيف الشباب الموريتاني، سواء تعلق الأمر بحملة الشهادات أو اليد العاملة.
والأهم من هذا كله، فإنه ما لم ينتفض الشباب ويتوجه بقوة للقطاع الخدمي الحـر، فإن شبح البطالة المزمنة سيظل قابعا بيننا، معيقا لتقدمنا أفرادا ومؤسسات.