قصاصات معمارية: نواكشوط.. الهوية المفقودة/ المهندس المعماري حبيب الله الشيخ

في البدء، كنا وكانت مدننا التي بنيناها من حجارةِ و طينِ أوديتنا.. عكسنا فيها ثقافتنا ونحتنا فيها شخصيتنا فدامت ودمنا، وعلى مر العصور أخرجنا للعالم منها أحسن ما فينا.. فالمدن يبنيها الإنسان لتعود هي فتبنيه.. فيكون مزاجه من مزاجها وحاله من حالها..

ثم وفي لحظة ارتحال هجرنا تلك المدن وتركناها لمصيرها تصارع الرمال والنسيان… انتبذنا منها مكانا غربيا بواد غير ذي زرع.. هناك أسسنا ما أردناه عاصمة استقلالنا غير أنه لم يشبهنا وما أشبه من استعمرنا… فبغير هدى ولا علم ولا كتاب منير : شققنا شبه طرق وشيدنا شبه مبان.. ثم وبمرور الزمن وكلما توسعنا بعدت الشقة واتسع الخلل حتى وصلنا إلى حالنا اليوم: مدينة تائهة وضائعة.. بلا لون رغم كثرة الألوان وبلا طعم رغم وفرة الأشكال.. وأينما يممت وجهك فيها فالتشوه البصري سيد الموقف.. إنها – بصدق – عاصمة التيه…  

في عالم اليوم مدن كثيرة نشأت كنشأةِ عاصمتنا – بلا هوية – ولكنها نحتت هويتها فصارت لها بصمتها وصيتها في العالم فهنالك مدن وعواصم ارتبطت بالصناعات وأخرى ارتبط اسمها بالموضة أو بالثقافة والمتاحف وحتى بالفنون أو التسوق، وحديثا طالعتنا بعض المدن بهويتها (الصديقة للبيئة)من خلال توفير طاقة بديلة لاستخدامات البناء والنقل والإتصالات.. وهكذا يسعى ساسة المدن عبر العالم لنحت هويات لمدنهم وتقديمها للعالم على هذا النحو..

تولد المدينة وتكبر وقد تمرض بل حتى تندثر.. نواكشوط عاصمة مريضة وبحاجةٍ لعمليات جراحية معقدة تزيل الزوائد والاختلالات على امتداد جسدها المترهل لتعيد لها شيئا من بريق الحياة..