قطارُ كأس العالَم / بقلم : الكاتب الاماراتي أحمد إبراهيم

أحمد ابراهيم كاتب إماراتي

اهل أصبحت الدُّنيا مُدمنةً بالكاف/: “كافُ كُرة وكافُ كورونا” لا ينقذها من الإدمان إلاّ “كافُ الكأس؟!”.. لا أعتقد!.. ذلك لأن الكأس إدمانه أشدّ اشتعالا إن تحوّل إلى الفأس على الرأس، ويصل إلى “كافِ الكفن..!”

 

حديثنا اليوم عن قطارٍ توقّف قبل أربعة أعوام في “برازيل”، وصفّر يومَ الأربعاء 23 يونيو2021 صفّارتَه التمهيدية للانطلاق إلى “قطر” بالنسخة الثانية والعشرين من بطولة كأس العالم 2022

 

وهل يوجد إنسان على كوكب الأرض وُلد يومَ وُلد هذه الكأس؟ ويحقُّ له التصويت:/ “سلامٌ عليَّ يومَ ولدتُ، ويوم أموتُ، ويومَ أبعثُ حيّا…؟؟؟”

 

ثلاث أسئلة إجاباتها “لاءات”، لأن الكأسَ وُلدَت عام 1930، وماتَت موتًا سريريًا مؤقّتًا بين 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية.. ثم بُعثت حيّة للانتعاش كل اربع سنوات إلى يومنا هذا، وستدخل علينا بنسختها الثانية والعشرين الحالية في “21 نوفمبر إلى 18 ديسمبر2022”. ولادةٌ يُقال عنها هي الأولى من نوعها على الإطلاق في العالم العربي، والأولى بتاريخها في دولةٍ ذات غالبية مسلمة، والثانية في قارة آسيا بعد كأس العالم 2002 بكوريا الجنوبية واليابان

 

الكؤوس كثيرة في حياتنا، تلك التي على الطاولة من كأس شاي، وكأس عصير، إلى كأسٍ من نوعٍ آخر يمنعه الشرع وتعشقه الشوارع، يرفضه العقل ويعاقره الجنون بحِجّةِ أنّ الجنونَ فنون، وكذلك للقهوة أيضًا حضورها التراثي، ولكن لقارئتها بالفنجان لا بالكأس

 

فلو نظرنا من أبراج تلك الكؤوس إلى ميدان تلك الكؤوس: كأس العرب، كأس العالم، كأس أوروبا، كأس آسيا، وكأس إفريقيا.. “ترى أين سنجدك أنت وكأسك يا وطن؟!”

 

محطّاتُ كأسَ العالم أشغلتنا تسعين سنة بما فيها من 1092 شهرا، وما يقرب من أربعين ألف يوم. لكنّ محطّة كورونا أشغلتنا في اليومين الأخيرين أكثر من جميع تلك المحطّات

 

السِباقاتُ نحو الكأس هذه المرّة بازدواجية مختلفة عن مثيلاتِها منذ 90سنة- ازدواجية السِباقات والّلقاحات- إذ لم يعُد الّلاعب يجري إلى مطار المغادرة ليهرول من مطارٍ آخر إلى الملعب، وإنما عليه ما عليه من اللقاح والحجر والكمّامات، مهما كانت قوة ركلاته بشدة عضلاته

 

مثلا، هذا النجم البرتقالي الهدّاف التاريخي للقارة العجوز “كريستيانو رونالدو” الذي أوصلتاه آخر ركلتي جزاء ضد فرنسا إلى القمة، نعم، هذا الطفل الذهبي “رونالدو” الفائز بجائزة القرن العشرين من فيفا، ويقال عنه صانع هدف القرن، وملك الركلات الحرّة، بل هو أول لاعب في تاريخ كرة القدم يُحطّم الرقم القياسي العالمي مرتين. هل يستطيع هذا القهقري “رونالدو” أن يفرض نفسه اليوم بالأجندة الرياضية فوق قانون الأجندة الصحية

 

هناك طيرٌ فوق رأسه وكل الرؤوس اسمه “كورونا” لا يقرأ الأسماء والألقاب، لا يميز الأبيض والأسود، يفرض نفسه بشروطه سيّدًا على الأسياد والعبيد، يفعل ما يفعل، كما فعل بهدّاف القرن التاريخي “مارادونا” الأرجنتيني، الذي لفظ أنفاسه في الستّين من عمره دون أن تسعفه اللياقات الرياضية ولا الكمّامات العلاجية ولا حتى ثرواته الكسبية. إن قطار اليوم بالكأس والفأس معًا يا عالم

 

القطارُ هذه المرّة بصفاراتٍ مختلفة، توقظ النائم تُسقط القائم، صفّاراتٌ أنعشت الدولار والجنيه لقومٍ على حساب نعوش وجنائز قوم آخر، الحسابات المصرفية للمستشفيات مُنتعَشة بها، ومعها مصانع الأدوية واللقاحات والكمامات والأسرّة والشراشف تزدهرُ بالثراء الفاحش لدرجةٍ قد تحسدها دنيا الصّناعات الرياضية للأحذية والملابس وغيرها

 

الخلود ليس لمن قال كان أبي، بل وقال “هاآنذا”.. مارادونا لم يكن أسطورة الأرجنتين، بل من حوّل الأرجنتين إلى كوكبٍ فوق كوكب الأرض

 

والأرض تبتلع الإنسان يومًا تحتها مهما ظلّ هو يبتلعها فوقَها، والإنسان مهما طال عُمره وقَصُر يريد تحقيق الذات تمامًا كالخطيب على المنابر والرهبان في الصوامع، كذلك اللاعب من الميدان بجسمه وخارج الميدان لاسمه يريد الخلود ولو بنصب تذكاري، على غرار ما نُصب اليوم باسم مارادونا في مدينة سانتياغو ديل استيرو الأرجنتينية “التمثال البرونزي بوزن 2 طن، طوله خمسة أمتار”

 

أبارك الناشئين والناشئات في الوطن لركوب قطار كأس العالم، أبارك المُصمّمين العرب على إبراز زخارف الثقافة الإسلامية والمعمار التراثي الخليجي العربي أمام العالم من أرض الحدث، وأبارك البعض تعليمَ الصلاة والعبادات على أرض الحدث، والبعضَ الآخر على نسيان الخمر والمسكرات بنفس الموقع، ولكنّي لن أرفع قُبّعتي لهذا ولا ذاك، وإنما إن سألتني لمن ترفعها القُبّعة بختام فيفا 2022؟ سأرجّعك للوراء 174سنة، إلى “توماس الفاء راديسون 1847” مخترع الكهرباء، ولم يكن راديسون المخترع بل كان المكتشف، ثم أنظر في الخريطة الجغرافية للوطن العربي إلى الأمام من الحضر إلى البادية، من الأرياف إلى العواصم وفي الكهوف بين الجبال والوديان للمدن والقُرى إلى تلك “العظيمة” التي هي وراء ذلك “العظيم”

 

والعظيمةُ تلك ليست بالضرورة أن تكون هي عظيمة بذاتها، قد تكون هي فلاّحة، زبّالة أو عاملة تنظيف شوارع، أو حتّى أجيرة تتصبّبُ عرقًا بأجرٍ زهيد بين العمّال في المصانع، لكنها خلف ذلك الطفل الذي تريده عظيما

 

فتقدّم يا عظيم، اكتشف الدواء لداء العصر، ما جعل الله من داءٍ إلا وجنبه الدواء، ولعلّه جنبك، ارفع يديك لأرفع لك قُبّعتي. فإن كانت الدنيا تختار كل عام “رجل العام” فلتكن أنت ذلك الرجل، انهض لتقود قطار كأس العالم باكتشافك يا ولدي

 

بوابة روزاليوسف