قوة الكلمة / بقلم :الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف

الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة

مما لاشك فيه أن للكلمة قوةً في تأثيرها لا يُضاهِيها شيءٌ آخر، والأمثلةُ والأدلة على ذلك كثيرةٌ من القرآن والسنة؛ لذا فلا بدَّ أن تكونَ العبارة التي يتكلم بها الداعية شائقةً، ليِّنة هيِّنة، مُحبَّبةً إلى النفس، وأن يبتعدَ عن العبارة السيئة والقولِ الجافِّ، والكلمة الغليظة؛ لأن الداعية يتعاملُ مع قلوب الناس، والقلوبُ حساسةٌ، تأتي بها كلمة، وتطردها كلمة أخرى، ولهذا يقول الله عز وجل وهو يأمر موسى وهارون بالذَّهاب إلى فرعون لإبلاغ الدعوة، والله يعلمُ أن الكلمةَ اللينة أو القاسية لا تُفيد فرعون، فهو كافرٌ؛ لكنه يُبيِّن منهج الدعوة، فيقول: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44].

وهكذا كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، ويقول: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 159].

وهذا واضحٌ مكشوف في جميع مسائل الدعوة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما خُيِّر بين أمرينِ إلا اختار أيسرَهما)[1]، ولَمَّا بَعَث رسولَيْه إلى اليمن، قال لهما في الرسالة: ((بشِّرا ولا تُنفِّرا، ويَسِّرَا ولا تُعسِّرا))[2].

إذا أردتَ أن تتكلمَ فابحث عن أفضل عبارةٍ وأفضل كلمة؛ لأنها مِفتاح للقلب، فإذا جئت بمِفتاح مناسبٍ لينٍ دخلت القلب، وإذا جئتَ تدقُّ الإنسان في قلبه بكلمة قاسية، أعرض عنك، فلا يسمع منك، ولا يذكر كلامك؛ لأنك أوجَعْتَ قلبه بكلمة قاسية، والله يقول: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44].

أنت لا تَملِكُ الهداية أصلًا، فالهدايةُ بيد الله، أنت تَملِك الوسيلةَ فقط، والسبب الذي ينقل الناس إلى الدعوة وإلى الهداية، فيجب أن تكون الوسيلةُ طيبةً مِن أجل أن تُتيح الفرصة لهذا الإنسان، فتنقله إلى الحياة الجادة، وتنقله مِن الضلال إلى الهدى، وتنقله مِن المعصية إلى الطاعة، وتنقله من الكفر إلى الإيمان، وتنقله من الشرك إلى التوحيد، لا بالضرب ولا بالقوة، بل بالكلمة الطيبة؛ كالسلام.

يا أخي، ابحَثْ عن أفضلِ عبارةٍ، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو يكتب للكفار، يقول: ((مِن محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم))[3]، ولَمَّا جاءه الرجل مِن صناديد قريش يريد أن يفاوضه قال له: “يا محمد، إنك جئت قومَك بما لم يأتِ به أحدٌ قومَه؛ سفَّهتَ الأحلام، وسَبَبْتَ الآباء والآلهة، إن كان الذي يأتيك مِن الجن عالَجْنَاك، وإن كنتَ تريد مالًا جَمعنا لك حتى تكون أكثرَنا مالًا، وإن كنت تريدُ مُلكًا ملَّكناك، وإن كنتَ تريدُ زوجةً زوَّجناك، ماذا تريد؟”.

فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟

قال له: ((اسمع مني يا أبا الوليد))، وكنَّاه، والكنى مُحبَّبة عند العرب، أنا عندما أناديك باسمك وأقول: يا فلان، تسمع، لكن إذا قلت: يا أبا فلان، تنبسط؛ لأنك تحب أن تدعى بولدك، والرسول صلى الله عليه وسلم كنَّى هذا الكافر، مِن أجل أن يمرر الكلام إليه، دعاه بالكنية، قال: ((اسمع مني يا أبا الوليد))، ثم قرأ عليه فواتح سورة فُصِّلَت.

ولَمَّا وصل إلى قول الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: 13]، فقام الرجلُ ووضع يدَه على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أسألُك بالله والرحمِ، ثم خرج، ولَمَّا رجع تغيَّر، وقال: “والله، إني لأعلَمُكم بالشعرِ، وأعلمكم بالنثر، والله ما هو بالشعر ولا بالنثر، والله إن أعلاه لَمُورِقٌ، وإن أسفله لَمُغْدِق، وإن عليه لَحلاوةً، وإن له لَطلاوةً، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه”؛ أي: كلام الله.

فقالوا كلهم، وهم الجالسون في السَّقيفة ينتظرون خبر المفاوضات، قالوا: صبَأْتَ، مجرد مرة ذهبت إليه فغسَل مُخَّك ودين آبائك وأجدادك، والله لا تخرج حتى تقول فيه قولًا، ماذا يقول الناس عندما يسمعون كلامك هذا؟ معناه: لن يبقى أحدٌ إلا سيدخل في دين محمد، وبدؤوا يضغطون عليه، حتى قال: دعوني أُفكِّر، ودخل بيته، وجلس يفكر ويقدر، ويقدم ويؤخر، ثم رجع إليهم، وقال: نعم عرَفتُ! قالوا: ما هو؟ قال: هذا سحرٌ.

قال الله عز وجل فيه: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 11-25][4].

قال الله له: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَر ﴾ [المدثر: 26]، وسَقَرُ هي النار، طبقة مِن طباق جهنم، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ [المدثر: 27] للتهويل والتعظيم، ﴿ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ﴾ [المدثر: 28]، ﴿ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ [المدثر: 29 -30]، تسعةَ عشرَ مِن الملائكة، ولَمَّا نزلت الآية وبلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وبلَّغها الصحابة للناس؛ سمِع بها أبو جهل، وسمع بها الوليد بن المغيرة وخاف، فقال له أبو جهل: (كم توعَّدك محمد؟ قال: تسعة عشر، قال: عليَّ ثمانيةَ عشرَ، وأنت عليك واحد فقط، قال: ثمانية عشر أنا أضعُهم فوق رأسي، أنا أكفيكَهم).

وعن ابن عباس قال: (اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم قيسُ بنُ عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيِّد تَميم، المُطاع فيهم، والمُجاب منهم، آخُذُ لهم بحقوقهم، وأمنَعُهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك – يعني عمرو بن الأهتم – فقال عمرو: وإنه لشديدُ العارضة، مانع لجانبه، مُطاع في أدانيه، فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما يمنعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك! فوالله، لبئيس الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مُبغَض في العشيرة، والله يا رسول الله، ما كذبتُ فيما قلت أولًا، ولقد صدقتُ فيما قلت آخرًا؛ رضيت فقلت أحسن ما عملت، وغضبت فقلت أقبح ما وجدت؛ ولقد صدقت في الأمرينِ جميعًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من البيان لسحرًا))[5].

قال ابن عبدالبر: “وفي هذا دليلٌ على مدح البيان وفضل البلاغة، والتعجُّب بما يسمع مِن فصاحة أهلها، وفيه المجاز والاستعارة الحسنة؛ لأن البيان ليس بسحرٍ على الحقيقة، وفيه الإفراط في المدح؛ لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب يبلغ مبلغ السحر، وأصلُ لفظة السِّحر عند العرب الاستمالة، وكل مَن استمالك فقد سَحَرك، وقد ذهب هذا القولُ منه صلى الله عليه وسلم مثلًا سائرًا في الناس، إذا سمِعوا كلامًا يعجبهم قالوا: ((إن مِن البيان لَسِحْرًا))، ويقولون في مثل هذا أيضًا: هذا السحر الحلال، ونحو ذلك، قد صار هذا مثلًا أيضًا، وروي أن سائلًا سأل عمر بن عبدالعزيز حاجةً بكلام أعجبه، فقال عمر: هذا والله السحرُ الحلال، وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن التعجب من الإحسان والبيانِ موجودٌ في طباعِ ذوي العقول والبلاغة، وكان صلى الله عليه وسلم قد أُوتِي جوامعَ الكلم، إلا أنه بإنصافه كان يعرِفُ لكل ذي فضلٍ فضلَه، وفي هذا ما يدلُّ على أن أبصر الناس بالشيءِ أشدُّهم فرحًا بالجيِّد منه ما لم يكن حسودًا، وإنما يحمد العلماء البلاغةَ واللسانة ما لم يخرج إلى حد الإسهاب”[6].

وأخبر بعضهم قال: “ما رأيت رجلًا عُرِض عليه الموت فلم يكترث به، إلا تميم بن جميل الخارجي، كان قد خرج على المعتصم ورأيتُه قد جِيء به أسيرًا، فدخل عليه في يوم موكب، وقد جلس المعتصم للناس مجلسا عامًّا، ودعا بالسيف والنطع، فلما مثل بين يدَيْه نظر إليه المعتصم فأعجبه شكله وقده ومِشيَته إلى الموت غير مكترث به، فأطال الفكرة فيه، ثم استنطقه في عقله وبلاغته، فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأتِ به، فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين، جبر الله به صدع الدين، ولَمَّ شَعْثَ المسلمين، وأخمد شهاب الباطل، وأنار سُبُل الحق، فالذنوب يا أمير المؤمنين تُخرِس الألسنة وتصدع الأفئدة، وايمُ الله، لقد عظمت الجَرِيرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن، ولم يبقَ إلا العفو أو الانتقام، وأمير المؤمنين أقربُ إلى العفو، وهو أليق شِيَمه الظاهرة، ثم أنشد:

أرى الموتَ بينَ السيفِ والنطعِ كامنًا

يُلاحِظني مِن حيث ما أتلفَّتُ

وأكبرُ ظنِّي أنك اليومَ قاتِلِي

وأيُّ امرئٍ مما قضى اللهُ يُفلِتُ؟!

ومَن ذا الذي يأتي بعذرٍ وحُجةٍ

وسيفُ المنايا بين عينَيْهِ مُصلَتُ

وما جزَعِي مِن أن أموتَ، وإنني

لأعلَمُ أن الموتَ شيءٌ مُؤقَّتُ

ولكنَّ خلفي صبيةً قد تركتُهم

وأكبادُهم مِن حسرةٍ تتفتَّتُ

كأنِّي أراهم حين أُنعَى إليهم

وقد لطَموا تلك الخدودَ وصوَّتوا

فإن عِشتُ عاشوا سالِمينَ بغِبطةٍ

أذودُ الرَّدى عنهم وإن مِتُّ موَّتُوا

قال: فبكى المعتصم، وقال: إن مِن البيان لسحرًا، ثم قال: كاد والله يا تميم أن يسبقَ السيفُ العذَل، وقد وهبتك لله ولصبيتك، وأعطاه خمسين ألف درهم؛ (ثمرات الأوراق للحموي)[7].

________________________________________

[1] صحيح البخاري، رقم (6786).

[2] مستخرج ابي عوانة، رقم (7951).

[3] صحيح البخاري، رقم (4553).

[4] شعب الإيمان، (134).

[5] انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر النمري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب، 1387، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، ‏محمد عبدالكبير البكري، عدد الأجزاء: 22 (5/ 171 – 172). 122). أ. هـ.

قلت: رواه الحاكم (123)؛ انظر: المستدرك (3 / 613). 123)، وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه (124)؛ انظر: مسند أحمد (1 / 269)، صحيح ابن حبان (7 / 515، رقم 5750). 124)، من غير ذكر القصة.

[6] الشامل في فقه الخطيب والخطبة؛ المؤلف: د. سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم، إمام وخطيب المسجد الحرام، نال شرف فهرسته وإعداده للشاملة: أبو أكرم الحلبي، من أعضاء ملتقى أهل الحديث.

[7] مجاني الأدب في حدائق العرب، المؤلف: رزق الله بن يوسف بن عبدالمسيح بن يعقوب شيخو، (المتوفى: 1346هـ)، الناشر: مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، عام النشر: 1913م، عدد الأجزاء: 6، (3/ 220).