قيام اللّيل.. قُربة وشفاء\الكاتب الجزائرى سلطان البركاني

لعلّك -أخي المؤمن- قرأت وسمعت قبل هذا وصية الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “عليكم بقيام الليل؛ فإنّه دأب الصّالحين قبلكم، وقربة إلى ربّكم، ومكفرة للسيّئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للدّاء عن الجسد”. لكنْ لعلّه قد تبادر إلى ذهنك وأنت تقرأ أو تسمع هذه الكلمات، أنّ قيام اللّيل قربة يختصّ بها الصّالحون الذين قطعوا أشواطا وافية على طريق الصّلاح! وهذا الظنّ من حجج النّفس التي تهوى الرّاحة وتميل إلى التملّص من التّكاليف والقربات.

الظنّ بأنّ قيام اللّيل حكر على العُبّاد والصّالحين، ظنّ خاطئ، لأنّ آيات الحثّ على قيام اللّيل في القرآن، ومنها قوله تبارك وتعالى في سورة المزمّل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾؛ كانت من أوائل ما نزل على النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بل إنّ قيام اللّيل شُرع قبل فرض الصّلوات الخمس، وقد ذكر العلماء أنّه كان مفروضا على النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وأصحابه في بداية الدّعوة، ثمّ نسخ الوجوب إلى السنيّة بعد ذلك. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عِظم منزلة وأثر هذه العبادة التي غفل عنها أكثر المسلمين في هذا الزّمان، وغفلوا عن ثمراتها التي من أعظمها تثبيت القلوب، وشفاء الأنفس والأرواح والأبدان.

تأمّل- أخي المؤمن- الشّطر الأخير من وصية النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بقيام اللّيل، أي قوله: “ومطردة للدّاء عن الجسد”؛ الذي يؤكّد أنّ قيام الليل من أعظم أسباب طرد الأمراض والأسقام عن البدن، بشهادة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وعلماء الطبّ في الغرب يقولون إنّ القيام في جوف اللّيل وتدليك الأعضاء بالماء (الوضوء عندنا نحن المسلمين)، والقيام ببعض الحركات (الصّلاة عندنا)، يساعد في الشّفاء من بعض الأمراض.

كما أنّ لقيام اللّيل أثرا عظيما في الشفاء من الأمراض النّفسية كالوساوس والهواجس، ومن الأمراض الرّوحية كالسّحر والمسّ والعين، وقبل ذلك في معرفة إنْ كان المسلم مصابا بمرض روحيّ؛ فالمبتلَون بمثل هذه الأمراض لا يطيقون الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى في وقت السّحَر، ويضغط عليهم العارض ويسبّب لهم ضيقا يمنعهم من ذلك، وقد قرأنا وسمعنا قصصا كثيرة لأناس قاموا الليل وتحمّلوا ضغط الشّيطان عليهم ودعوا الحنّان المنّان أن يشفيهم، فكانت النتيجة أنْ بصّرهم المولى تبارك وتعالى بموضع الدّاء، وسهّل لهم فكّه والخلاص منه، والشّفاء التامّ ممّا يعانون، بإذن الله سبحانه.

فيا أخي المؤمن.. مهما ظننت أنّك بعيد عن الله، أعلنها توبة إليه جلّ في علاه، وقم في ثلث اللّيل الأخير، وبخاصّة في هذه اللّيالي المباركة، ليالي العشر الأواخر من رمضان، قم فتوضّأ وأحسن الوضوء. فرّغ قلبك من مشاغل الدّنيا وشواغلها. أقبل على ربّك بقلبك وجوانحك وجوارحك. تذكّر قوله تبارك وتعالى: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).

صلّ صلاة فقير ذليل بين يدي خالقه ومولاه. تذكّر أنّك أقرب ما تكون إلى ربّك في تلك اللّحظات، وأنت ساجد في جوف اللّيل. لا تنسَ أنّ الدّعاء في تلك السّاعات هو أنفع دعاء وأقربه إلى الإجابة. أكثر في سجودك من الثّناء على ربّك الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. اشكُ إليه بثّك وضعفك وقلّة حيلتك. ادعُ ربّك الكريم بكلّ حرقة. ادعُه بأيّ كلمات وأيّ عبارات، المهمّ أن تكون نابعة من قلبك، مخالطة لروحك، ترفرف بجناحي الرّجاء واليقين، واعلم أنّك بقدر يقينك في ربّك تكون سرعة الإجابة.. تذكّر أنّك تناجي أرحم الرّاحمين وأكرم الأكرمين وأجود الأجودين، فلربما ابتلاك ليسمع صوتك الذي لم يسمعه منك في السرّاء ولا في الضرّاء. ربّما ابتلاك ليرى دموعك الغالية تسيل على خدّيك. تذكّر أنّك في تلك اللّحظات تدعو من يقول في ثلث اللّيل الأخير: ((هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له)).

لعلّك -أخي المؤمن- قرأت وسمعت قبل هذا وصية الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “عليكم بقيام الليل؛ فإنّه دأب الصّالحين قبلكم، وقربة إلى ربّكم، ومكفرة للسيّئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للدّاء عن الجسد”. لكنْ لعلّه قد تبادر إلى ذهنك وأنت تقرأ أو تسمع هذه الكلمات، أنّ قيام اللّيل قربة يختصّ بها الصّالحون الذين قطعوا أشواطا وافية على طريق الصّلاح! وهذا الظنّ من حجج النّفس التي تهوى الرّاحة وتميل إلى التملّص من التّكاليف والقربات.