«كورونا» يرسم ملامح الصراعات ويعيد تشكيل موازين القوى في العالم

الصدى –”الرؤية“/

ترامب ونائبه بنس قبل المؤتمر الصحفي اليومي حول كورونا (أ ف ب)

تسببت الكارثة الناجمة عن فيروس «كورونا» المستجد، في انشغال العديد من دول العالم بكيفية مواجهة الوباء، وأصبح الشغل الشاغل للقادة هو كيفية السيطرة على الأزمة، وهو ما قد يكون له تأثير إيجابي على الصراعات بين الدول، حيث ازدادت الدعوات لوقف الخلافات والتفرغ لمواجهة عدو جديد للبشرية.

 

لكن هذه الدعوات قوبلت بترحيب من بعض أطراف الصراع، وبتجاهل من أطراف أخرى، ومع استمرار الفيروس في التمدد بلا رادع وحصد الأرواح هنا وهناك، كيف ستكون الأوضاع المستقبلية وشكل الصراعات حول العالم؟

 

ويقول أستاذ العلوم السياسية بمركز الحوار للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور هاني سليمان: إن بعض الأزمات والصراعات على المستوى الدولي، شهد بالفعل جموداً، والبعض شهد انحصاراً ومحاولة تهدئة.

 

تهدئة وجمود

 

على سبيل المثال العراق، فقد تم انسحاب بعض القوات الموجودة مثل القوات الفرنسية، والبريطانية والنرويجية، وبعض الجنسيات الأخرى، وهو انسحاب مؤقت، نظراً للخوف عليهم من انتشار فيروس «كورونا»، وهذا يعطي فرصة لمحاولة تهدئة الأمور، وعدم فتح بوابة مواجهات، بحسب سليمان.

 

وكانت القوات الأمريكية في العراق قد أعلنت 19 مارس، أن جهود التدريب التي تقودها الولايات المتحدة، بهدف مكافحة داعش ضمن التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، قد تم تعليقها «لمدة 60 يوماً كإجراء احترازي بسبب الوباء العالمي»، أعقبتها بريطانيا أحد أكبر المساهمين بالقوات، تلتها فرنسا، حيث أعادت جنودها المنتشرين في العراق والبالغ عددهم تقريباً 200 عسكري.

 

ويضيف سليمان لـ«الرؤية»: أن الأزمة والصراع في ليبيا لم يتأثرا بشكل كبير من تفشي وباء «كورونا»، والوضع في الداخل الليبي كما هو، نظراً لأن ليبيا لم تشهد انتشاراً لوباء «كورونا» بشكل قوي، وسجلت ليبيا 8 حالات مؤكدة، لكن هذا الأمر لم يؤثر بشكل كبير على الصراع، حيث قبل الجيش الوطني الهدنة، فيما واصلت الميليشيات التابعة لحكومة فايز السراج انتهاكها، وفق تأكيدات الجيش الليبي الذي رد على هذه الانتهاكات.

 

غموض في المواقف

 

وأوضح سليمان، أن الأمر لم يتأثر كذلك في سوريا، فالميليشيات والجماعات الموجودة ما زالت تمارس نشاطها، لكن ربما هناك بعض الجمود بفرض الظرف الموجود، مشيراً إلى أن قوات سوريا الديمقراطية «قسد» دعت منذ أيام، جميع أطراف الصراع السوري إلى الامتناع عن أي مبادرات أو أعمال عسكرية.

 

لكنها أكدت في نفس الوقت، التزامها بحالة الدفاع المشروع، وتجنب الخوض في أي أعمال عسكرية، أملاً في أن تساعد هذه الهدنة الإنسانية في فتح باب الحوار والحل السياسي، وإنهاء حالة الحرب في العالم وسوريا.

 

استغلال الأزمة

 

وقال إنه في مقابل ذلك، هناك بعض الدول التي تحاول استغلال الأزمة بتوسيع نفوذها، وظهر هذا جلياً في النشاط التركي في الداخل السوري، وفي داخل ليبيا، حيث تحاول كسب نفوذ، والاستفادة من الوضع الراهن، رغم ما تعانيه تركيا داخلياً من أزمة «كورونا».

 

وتابع: “كذلك إيران التي ما زالت تدعم الحوثيين في اليمن، حيث شنوا هجمات ضد السعودية بعد يوم من إعلان موافقتهم على الهدنة، وبالطبع ميليشيات الحوثي لا تتحرك من نفسها، ومعروف أن الحرس الثوري الإيراني هو من يقود عملياتها.

 

وأوضح أن ذلك يأتي بينما تعاني إيران من انتشار وبائي خطير للفيروس، وتقترب الضحايا من 3 آلاف.

 

فرغم معاناتها، فإنها تحاول الاستفادة من الأمر عبر توسيع سيطرتها في ظل انغماس معظم دول العالم في أمر «كورونا».

 

بعد «كورونا»

 

من جانبه، توقع مدير المركز العربي للدراسات السياسية، الدكتور محمد صادق، أن تشتد حدة الصراعات الكبرى بعد التوقف الكلي أو الجزئي لكورونا، مشيراً إلى أن «كورونا» لن توقف الصراعات، بل قد تؤجلها فقط.

 

وأشار صادق إلى أن الصراع التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية سيزداد، عكس ما هو ظاهر حالياً من محاولات للتعاون والاتصالات المتبادلة، فأوقات الأزمات تختلف عن الأوقات العادية، فهناك حرب تجارية معهودة بين الدولتين.

 

تحالفات جديدة

 

وقال إن شكل التحالفات مستقبلاً سيختلف، فقد بدأت الصين تستعد لكسب حلفاء، مثل إيطاليا، ودول أخرى، ومن المعلوم أن إيران حليف مباشر قوي للصين، وبالتالي سيقوى التحالف بين الصين وإيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فالتحالفات الكبرى ستتوقف على من المنتصر في أزمة «كورونا»، والذي لم يفقد الكثير من الخسائر، ربما يكون هو الذي يدير النظام العالمي الجديد.

 

بعد «كورونا»، ستختلف موازين القوى.

 

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وأكاديمية ناصر العسكرية، الدكتور طارق فهمي، أن أولويات العالم ستختلف بعد الانتهاء من أزمة «كورونا»، حيث ستكون «كورونا» بمثابة «تقويم جديد» للعالم، فهناك عالم ما قبل «كورونا»، وعالم ما بعد «كورونا»، وستكون هناك نظرة جديدة لقضايا الإرهاب والتطرف الدولي، ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

 

ترتيب الأولويات

 

وأضاف: «سيعاد ترتيب الأولويات في النظام العالمي الجديد، وسنرى تسويات منقوصة للصراعات، وتسويات شبه منقوصة، ليست كاملة، وربما يستبق القانون الدولي الإنساني، الدولي العام، قضية الإنسان هي التي سيكون لها الأهمية في هذا التوقيت على أي محور آخر، وسيكون التركيز بالأساس على عدم ضخ المليارات إلى التنظيمات الإرهابية في مناطق كثيرة من العالم، وتوجيهها إلى مجالات أخرى».