لا إقلاع للإقتصاد قبل الإقلاع عن الفساد / محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى /رئيس التحرير

لا شك أن خطة الإقلاع الاقتصادي التي أطلقها الرئيس محمد الشيخ الغززواني مؤخرا ، جاءت في وقتها المناسب ، نظرا للوضعية الاقتصادية والاجتماعية الهشة في البلاد ، ( قبل وما بعد “كوفيد19” )، فتخصيص غلاف مالي يصل لمائتين وأربعين مليار أوقية قديمة للانعاش الاقتصادي الوطني، وفق خطة يراد لثمارها أن تقطف بعد ثلاثين شهرا من الآن ، أمر يبعث على الأمل ، ويشي بإنشغال جاد ومسؤول بالتنمية الاقتصادية، لهذا المنكب المنكوب بنخبه المتآمرة عليه ، وأنظمته المتعاقبة عليه ، والتي من النادر أن يغادر أي منها  قبل أن “يحرق الزربا” ويأتي على الأخضر واليابس ، وكأن البلاد وثرواتها ملك شخصي له، ولذويه ورهطه وشيعته المطبلين ،المؤمين  أنه “المطعم من جوع المؤمن من خوف”.

بيد أن هذه الخطة ذات الغلاف المالي الدسم ، على أهميتها و وضوح رؤيتها ، وجدوائية مجالات تدخلها ومحورية أهدافها ومراميها ، قد تكون مجرد هبة آلاهية لعباد الله (المفسدين )من المتنفذين في القطاعين العام والخاص مالم تتخذ تدابير اجرائية جادة وحازمة وصارمة لسد منافذ الفساد والمفسدين كاجراء احترازي ، من تسرب هذه الأموال لجيوب هؤلاء المتربصين بموارد البلاد وثرواتها.

 

فلا يعقل ولا يجوز أن تظل موارد هذه البلاد لقمة سائغة لديناصورات العبث والردح التنموي من لصوص وسراق المال العام ، الذين عاثوا فسادا في البلاد ونكلوا بالعباد بممارساتهم الدنيئة والحقيرة ، وأي ممارسة يا ترى أحقر من أن تسرق حليب طفل ودواءه ، أو علاج شيخ طاعن في السن ، و غذاء ودواء سيدة لا ذنب لها سوى أنها تنتمي لقبيلة موريتانيا الاعماق

ألا يخجل هؤلاء السراق من أنفسهم وهم ينهبون ثروات البلاد ويتطاولون ويتنافسون في بناء القصور وشراء السيارات والفلل الفخمة داخل وخارج البلاد ، من مليارات يتقاسم الموريتانيون أحياء وأمواتا كل اوقية منها

ألا يخجل هؤلاء من أبنائهم ؟، كيف يرد أحدهم على ولده -إن جاء صالح أو فاسد التربية –(حسب مراعاة فارق معايير الصلاح والفساد)  وسأله يأ أبي من أين لك كل هذا المال ؟ وما ذا لو سألته زوجته المصونة  في لحظة يقظة ضمير قد لا تأتي ؟ ، وماذا لو سأل نفسه التي مهما تسلعت  و تأمرت وتجبرت ستظل تؤذيه بطيف مشاغب لا يفتر عن وخز أطلال الضمير بذلك السؤال المزعج والمحرج من أين لي هذا ؟

أما سؤال رب العالمين المنتقم الجبار  “يوم لا ينفع مال ولا بنون” ، فهذا ليس من الوارد استحضاره لدى هؤلاء لسبب بسيط هو أن “الآخرة مستاخره” كما تروي بعض قواميسنا المضللة عن سواء السبيل.

السؤال الوحيد الذي يحظى بعناية التامة لدى هؤلاء ، هو سؤال لجان التفتيش العمومي ، و نفخ فاتورة هنا و استحداث مهمة سفر هناك وتقنيات كثيرة من هذا القبيل كفيلة بمنح صاحب “مغارة علي بابا” أكبر جائزة للشفافية والنزاهة.

 

ولكن الى متى ؟

 

الى متى وبلادنا تنهب وتسرق وفق أحدث تقنيات الشفافية والنزاهة والاستقامة والحكم الرشيد ؟

 

هل أتاكم نبأ عشرية الضياع والنهب والاختلاس ، تلك العشرية التي رفعت كل ما في الكون من شعارات محاربة الفساد والمفسدين ، وهي العشرية ذاتها الكارثية  بكل المقاييس إن دقت تسريبات التحقيق البرلماني ،الذي تبت فيه السلطات القضائية حاليا ، ويبدو أن نبش شرطة الجرائم الاقتصادية في ملفات المشمولين سيظهر مفاجئات من العيار الثقيل ، لكن أحكام المحكمة هي وحدها التي ستحدد مدى قدرة الدولة وجاهزيتها لمحاربة الفساد والمفسدين …

ويبقى السؤال الملح بالنسبة لنا هو هل اتخذ الرئيس  محمد ولد الشيخ الغزواني التدابير الاحترازية لمنع المفسدين من مخالطة أموال خطة الاقلاع  الاقتصادي ،خاصة أنه  هو العارف بمكامن الخلل البنيوي في الدولة حسب خطاب إعلان الترشح ؟

وهل هناك خلل بنيوي اخطر  من الفساد بكل اشكاله  وتشكلاته ؟

وهل يتصور عاقل في بلادنا الغنية ذات الشعب الفقير ، أننا سنحقق إقلاعا افتصاديا حقيقيا مهما رصدنا من الاموال ، وأرسينا من الخطط والدراسات ، ما لم نقلع أخلاقيا عن سرقة المال العام

بالنسبة لي قناعتي راسخة أنه لا إقلاع للاقتصاد قبل الاقلاع عن  الفساد ،

حفظ الله البلاد والعباد

 

المصدر :  (زاوية “قلم رشاش”) الصدى الصادرة بتاريخ 20 محرم 1442هـ الموافق 09-09-2020