ليلى اللِّيبيّة.. وقُنفذ جدَّتي «هَنِيَّة» / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

تبدو ليبيا، اليوم، بخيراتها الظاهرة والخفيَّة أقرب إلى جنّة الفردوس بالنسبة لأهلها خاصة السياسيين منهم، استناداً إلى عدد الذين قدموا ملفاتهم للترشح لمنصب الرئيس ـ من مختلف الاتجاهات، والحقب الزمانية، والنشأة المكانية، والانتماء العرقي ـ حتى إنه ليُخيَّل للمراقب أن ما عاشته ليبيا في جحيم معارك أهلية بدعم من المرتزقة والجماعات الأهلية هو مجرد وَهْم قائم في أذهان السكان.

 

وقد لا يقف الأمر عند ذلك، ليكون أيضا وهْمًا سحر أَعْيُن كل من يتابعون الشأن الليبي، وسيطر على أذهانهم، سواء أكانوا إخوة باحثين ومؤيدين لوجود حلٍّ، أو أطراف وقوى دولية ساعية لجني محصول الاستثمار في الدماء، أو جماعات إرهابية تم إحضارها للمنطقة المغاربيَّة بعد أن أنهت جرائمها في بعض دولنا العربية مشرقا، أو توشك على ذلك في دول أخرى، أو أعداء يتربصون بها الدوائر باعتبارها مدْخلا لأفريقيا المستقبل، وتحويلها إلى أرضية لمخاطر جمّة ترهق، وربما تؤدي إلى انهيار شبه كلي في دول الجوار خاصة الجزائر ومصر.

 

وإذا كان من غير المعقول إنكار أن ليبيا غنيّة، ليست فقط بثرواتها المادية ـ فوق الأرض وتحتها ــ وإنما بسكانها وتاريخهم الثقافي، وإسهامهم في الحاضرة الإنسانية ماضيا وحاضرا، فإن من الظلم لليبيين وللبشرية جمعاء عدم الاعتراف أو حتى التغاضي عن فتنة، قضت على كثير من جمالها، وإن حاول سياسيُّوها قول غير ذلك، ومع هذا يظل «الفعل النَّسْوي» فيها حافزا للبقاء وللخروج من أزمة طالت، وامتدت، وأخذت طابعاً دوليّاً.

 

المرأة الليبية تفرض علينا جميعا احتراما، وتدعونا إلى تأمل المشهد من ناحيتين، الأولى تضحياتها المتواصلة على الصعيدين البشري والعلائقي، والثانية: إصرارها المتواصل على العودة إلى مرحلة إنتاج الحق الوجودي، لجهة الاعتراف بدورها محليّاً وعالميّا، لذلك تُنافس اليوم من أجل الوصول إلى سدّة الحكم، كما في الانتخابات المزمع إجراؤها في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 24 ديسمبر، والحديث هنا يخص المترشحة «ليلى بن خليفة»، التي قدمت أوراقها قبل غلق الباب أمام الترشح في الانتخابات الليبية، وهي أول امرأة ليبية تتقدم إلى سباق من هذا النوع.

 

وبغض النظر إن كانت «بن خليفة»، قد ترشَّحت بقناعة ذاتيَّة خاصة، أو بدافع خارجي، فإن نشاطها السياسي السابق يؤهلها للترشُّح، وربما قد يُؤهلها للفوز في ظل تنافس رجالي كشف عن أن عدد الطامحين في منصب الرئيس أكثر من عدد الشعب، ومع أن الأصوات بين الرجال ستجعل منصب الرئيس فاقدا للقيمة، خاصة إذا حصل الفائز على أقل عدد ممكن من الأصوات، إلا أن الأولى بالليبيين أن يرجحوا الكفة لصالح ليلي بن خليفة.

 

والترجيح المطلوب له ما يبرره ذلك أن ليلى بن خليفة تمكَّنت من كشف عن دور مشهود لها، وعن خطاب سياسي واضح من خلال نشاطها في المجال الإعلامي ـ خاصة مداخلاتها عبر القنوات التليفزيونية ـ أو نشاطها المدني باعتبارها مسؤولة إدارية في منظمة مواثيق لحقوق الإنسان، وأيضا من خلال مشاركاتها في دورات تدريبية وورش عمل، وكذلك في العمل الحزبي، كونها رئيسة حزب الحركة الوطنية، هذا في وقت عجز فيه العدد الأكبر من المرشحين عن الظهور بأيّ خطاب في الفترات الماضية.

 

وتظهر ليلى خليفة في زمن لييبي لم يعد رجاليّا من ناحية القيمة والموقف كما كان في الماضي، كما لم يَعدْ وطنيّاً خالصاً، لأن القرار السياسي الليبي، بما في ذلك إجراء الانتخابات تتحكم فيه قوى دولية، أو ليبيون مرتبطون بالخارج، وقد يكون ترشحها مطلباً دوليّاً، وإن لم يكن كذلك، فهو في ظل «الحداثة الاستعمارية» يمثل رغبة ملحة لدى المجتمع الدولي، الغربي خاصة، وهناك من الشواهد ما يَشِي بذلك، منها على سبيل المثال: المتابعة الإعلامية المكثفة منذ تقديم ملف ترشحها.

 

وإذا كان حقُّ أو جاز لنا نحن العرب المُحبِّين لليبيا، والطامحون أو الحالمون بخروجها من أزمتها، التعليق على ما يجري فيها حاضراً وفي المستقبل القريب، فإننا نميل نحو التمني باعتماد ترشح ليلى بن خليفة، ولنا تمنيات أكبر بفوزها، لأن التنافس الرجالي يجعلها الأحق، بل إن الأفضل أن تسلم لها السلطة، على غرار ما فعل رجال بدو معي حين كنت صغيراً.

 

ففي ليلة مُقمرة، وأنا عائد مع جدتي «هنِيَّة» رحمها الله، من أولا جلال إلى حيث قريتنا تمرنة جديدة، في ليلية ربيعية تخللتها رياح جمعت بين ما بقي من برد الشتاء، وشوق إلى حرّ صيفي صحراوي أصبح وشيكاً.. كنتُ مع جدتي مُسافريْن على متن سيارة نصف نقل، برفقة ما بين خمسة إلى سبعة رجال، ومن قريب، والسيارة شبه مسرعة، أبصر المسافرون «قنفذا»، ذلك الحيوان الصغيرة، فرجع السائق إلى الخلف قليلا، ومسكوا به، ثم احتاروا لمن يستأثر به، وبما أنني كنت طفلاً صغيرا بينهم ـ خمس سنوات على ما أتذكر ـ وعيناي تراقبهما برغبة عارمة في أخذه، وبخوف من رفضهم، فقد كنت أنتظر قرارهم الأخير، وقد غمرتْني فرحة عارمة، حين اقترح أحد المسافرين أن يقدموا لي هدية، حين قال:

 

ــ اعطوا القنفذ لابن العجوز.

 

كان المقصود أنا.. أخدته معي إلى البيت، فكان يصطاد الحشرات، وبقي معي لمدة، ثم خرج خلسة من البيت ولم يعد، وبقيت حزينا عليه سنوات ولا أزال.

 

وكما تعرفون أن القنفذ حيوان صغير من الثدييات، ينام شتاءً ويستيقظ في الربيع ويعتاش على أكل الحشرات والزواحف والفئران الصغيرة وبيض الطيور التي تعشش في البراري، كما يأكل النباتات والثمار، وعند شعوره بأي خطر يكوّر جسمه على شكل كرة شوكية تقيه شر أعدائه.

 

لا أدري إن كان يحق لنا أن نفترض أن ليلى بن خليفة هي قنفذ ليبيا، وبالتي يمكن أن تَحْتمي بها الدولة من الناحية السياسيّة مستقبلا في حال اعتمادها، وفوزها، وإن لم تحقق ذلك، فعلى الأقل يصيب «حسكها» أولئك السفهاء الذي أضلوا ليبيا عن سواء السبيل، حتى لو كانت مشاركتها، واعتمادها، وفوزها، بأمر أو برغبة دوليّة.

 

المصدر : المصري اليوم