مأساة الأدب في غياب الإبداع وضعف المخرج/الولي سيدي هيبه

الولي سيدي هيبه / كاتب صحفي ومحلل سياسي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أدَّبني ربي فأحسَن تأديبي)

إذا كانت كلمة (أدب) وظَّف غالبًا، دون التفكير في تحديد دلالاتها وتوضيح معالمِها، وكأن المعنى الذي تَحمله معروف لا يتضمن أي إشكال، دون الاعتبار أن للكلمة في الواقع تاريخًا طويلًا تطوَّرت عبره معانيها وتحددت أكثر دلالاتها، فإنها في بلاد “المليونيات” ما زالت وسيلة مبتذلة للتمكين لقوالب الماضي السيباتي القبلي والطبقي، المجافي في مآلاته متطلبات المدنية وحكم مفهوم الدولة السوية.

لقد شاع استخدام لفظ (أدب) خلال العصرين الأموي والعباسي، وورَدَ بمعانٍ عديدة ودلالات مختلفة التي منها التعليم بطريق الرواية. كما أُطلق لفظ “المؤدِّب” على الذي يوكل إليه تعليم أبناء الخاصة وهو مِن أصحاب العلوم والبيان، وعني باللفظ أيضا :

–                                                              العلم بالشعر،

–                                                              والأنساب،

–                                                              والأمثال،

–                                                              والأخبار،

فظهرت علوم اللغة ووُضعت أصولها، وأُدرجت هي الأخرى في باب “الأدب” حتى نمَتْ واستقل بعضها عن الآخر، ليَقتصر معنى “الأدب” خلال فترة لاحقة على المأثور فقط من الشعر والنثر.

وعلى الرغم من أن أغلب الدراسات التي اهتمت بتناول مفهوم “الأدب” عند العرب أشارت إلى أنه لم يَرِدْ في العصر الجاهلي، وقد وردت الكلمة كثيرا في صدر الإسلام للإشارة والدلالة على “التهذيب” و”الخُلق الحسن” والتعليم والتثقيف، مستندة في ذلك إلى ما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (أدَّبني ربي فأحسَن تأديبي).

وحري بالتذكير في شأن علم الأدب أن “ابن خلدون” أشار إلى أنه لا موضوع له في إثبات عوارضه أو نفيها؛ وإنما المقصود منه عند أهل اللسان “ثمرته”، وهي الإجادة في فنَّي:

–                                                              المنظوم،

–                                                              والمنثور،

على أساليبهم ومناحيهم. وقد اعتبر كل من “أحمد الشايب” و”عبد العزيز عتيق” أن هذا التحديد الذي قدمه “ابن خلدون” يتضمن الكثير من الخلط؛ ذلك بأنه لا بد للأدب مِن موضوع.

فوفقًا لذلك كله يبدو أن جميع ما ورد عن العرب بخصوص الأدب لا يشير إلى ماهيته وجوهره، بقدر ما يُحاول حصره في المأثور من المنظوم والمنثور، دون تقديم مفهوم جامع يرصد مميزاته ومُكوِّناته، وحتى “لسان العرب” قيد دلالة الكلمة في معنى التأدب والتهذيب.

ولئن بقي هذا “خط” المنخرطين أو المدعين حيازة تدبر شأن الأدب في بلاد “المليونيات” على خلاف وارد في مضمون ومتون الدراسات الحديثة التي حاولت أن تقدم تعريفًا للأدب يكشف عن ماهيته من خلال مكوِّناته وعناصره مع ملاحظة تشعُّب دلالة المفهوم واختلافها من اتجاه إلى آخر، لدرجة أنه أصبح من الصعب الحصول على تعريف موحَّد وشامل للأدب.

إذا كانت مع ذلك كلمة (أدب) وظَّفت غالبًا، دون التفكير في تحديد دلالاتها وتوضيح معالمِها، وكأن المعنى الذي تَحمله معروف لا يتضمن أي إشكال، دون اعتبار أن للكلمة في الواقع تاريخًا طويلًا تطوَّرت عبره معانيها وتحددت أكثر دلالاتها، فإنها في بلاد “المليونيات” ما زالت وسيلة مبتذلة للتمكين لقوالب الماضي السيباتي القبلي والطبقي، المجافي في مآلاته متطلبات المدنية وحكم مفهوم الدولة السوية.

وإذا كان أحمد الشايب، من بين آخرين، قد رأى “أن الأدب يمتاز أولا بأننا نعود إليه ونكرر قراءته وهو بموجب نصوص الخالدة هذه التي يقرؤها الناس مرةً ومرة لِما تحمل من قيم خالدة وإثارة للعواطف والانفعالات لتكسب الأثر قيمة خالدة، ويتوفر فيه شرطان: الخلود، والإقبال عليه، بالإضافة إلى حَملِه قيمًا تؤكِّد ذلك الخلود، وينحلُّ إلى عناصر أربعة تشكل عموده وركيزته، وهي: العاطفة، والخيال، والفكرة، والصورة.

فإن “عبد العزيز عتيق”، حدِّد ماهية الأدب باعتباره: “الكلام الذي يَخرج الأديب بألفاظه عن معانيها الأصلية؛ للدلالة على معانٍ أخرى تستفاد بالإيحاءات والتداعي والقرائن”، وإن كان لاحَظَ أن ذلك لا يَنطبِق على جميع أنواع الأدب وأجناسه.

أما “عز الدين إسماعيل” – مستندًا إلى ما ورَدَ عن “هدسن” – ذهب إلى أن الأدب تعبير عن الحياة وسيلته اللغة، وأنه لا يَنقل الحياة حرفيًّا بقدر ما ينقُل إلينا فهمَ الأديبِ للحياة من خلال تجارِبه الشخصية؛ ليُحقِّق المُتعة أو المنفعة التي قال بها “هوراس” مند أمد بعيد، ومؤكدًا في الآن نفسه أنه ثمَّة أربعة عناصر تشترك في تكوين العمل الأدبي مجسدة في : العنصر العقلي، والعنصر العاطفي، وعنصر الخيال، والعنصر الفني أو عنصر التأليف والأسلوب.

ولأن هذه النظرات الثاقبة إلى الأدب تحدد أكثر مفاهيميته ووسطيته ضمن مجموعة الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، يمدها بثمار مقاصديته في الشكل والمضمون وعلى بساطه المحفوف بـ”الأمان” اللفظي و”السمو” السلوكي، فإن الأدب لا يزال في بلاد “التناقضات الكبرى” عصيا على أي من توجهاتها ومرامي غيرها المفصلة في دراسات وبحوث أهلها من الأدباء والنقاد، وقد ضبطت المسار لتوجيهه، للعب الدور المنوط، به شطر العلوم العامة وإسناد مسار الحياة بالضوابط للصولا إلى الثمار. وإن مجال الأدب، الذي يحتكره البعض بثوب بالي من حقب ولت، بقي ألقها لصيقا بأصحابه الذين قضوا، وتلك أمة من الخيرين لها ما كسبت. 

ولأن النقد في كل مكان وزمان ملازم للأدب ولصيق لمخرجه وغير سابق عليه باعتباره ضربًا من المعرفة والتعليق والحكم والتقييم للعمل الأدبي الدليلا على أن الأدب إذا كان نشاطًا إبداعيًّا خلاقًا، فالنقد فعالية وقراءة لهذا النشاط.

وقد جاء في القاموس والمعجم أن اللفظُ في “لسان العرب” ورد بدلالات مختلفة؛ فهو خلاف النَّسِيئَة، والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، كما قد يحمل معنى العيب والتجريح؛ إذ ورد عن أبي الدرداء قوله: “إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك”، ونقَدَتْه الحية بمعنى لدغته، ونقَد الطائرُ الحَبَّ أخذه واحدةً واحدة، واستعملت بمعنى تعقب الأدباء لرصد أخطائهم والتشهير بها حتى لا يقع فيها الآخرون، ولعلَّ هذا ما جعل الدلالة السائدة للَّفظِ عند المهتمين من العرب بالشعر تمييزَ جيِّد الشعر من رديئه، وهو معنى يناظر المعنى اللغوي الأصلي “تمييز صحيح الدراهم من فاسدها”.

وليس للنقد من مكان في بلاد لا يُميز فيها غالبا صحيح الدراهم من فاسدها ولا بديع الشعر -إن وجد- من رديئه – وهو الغالب؛ شعر محتكر من قبل فئة غالبة بحجة “التوريث” وناكرة على ما سواها بحجة الدونية، فئة متكسبة به أيضا بحجة قوة “المجاملة” والغلبة على “الحق”.

فالأدب في بلاد المليونيات “بورصات” نخاسة الكلام الذي يكاد بوفرة يقر التراتبية السيباتية التي تحصد بداخلها وفي احتكارية مفروضة، كل المخصصات إلى ذلك.

ولعل في التغييرات الأخيرة التي صدرت عن رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، سعيا حقيقيا إلى تغيير ثوب كعبة “الأدب” المحفوفة ببعض رواسب جاهلية الأزلام والنصب، وبالسقوط الحر كذلك في:

–                                                              مستنقع الطمع والتحصيل،

–                                                              وغياب الإبداع،

–                                                              وضعف المخرج شكلا ومضمونا بشهادة خلو رفوف المكتبات،

–                                                              والتهافت الغرضي على المهرجانات العقيمة والتظاهرات المحبطة بشهادة صراعات الطمع الجشع وحب الاستئثار بكل الوسائل الملتوية ولصفات المنتحلة في غياب الالتزام والحياء،

إلى كعبة تكون للأدب الرفيع والكلمة المشرقة والسلوك الملتزم، في دائرة ألق الإبداع على نهج الالتزام وفي حضن الاستجابة للنقد المصفى شهدُه من شوائب الماضوية :

–                                                              بين تمسك بأهداب شعر “فصيح” انطبع في الذاكرة الشعبية والسجلات الأدبية وحفظ لأصحابه  مكانتهم الرفيعة، من بعد ما ولى زمانه العظيم وتم تجاوزه في الأسلوب والغرض من ناحية، وإصرار مفضوح على تقليده بذات لغته وأسلوبه من ناحية أخرى؛

–                                                              وبين شعر “لهجيي” موغل في الجهوية وغير خاضع لأي رقيب نقدي مشترك تطبعه الفوارق في اللغة وفي اختلاف البنية في المقاصد والمعاني؛

كعبة يتشرف الأدب باسمها في دلالة العذبة السامية فتعلو النفوس في حضنها ويزكى السلوك ويعود الحياء بحسن تأديب.