معركة النفس الطويل بين السيسي والبشير: الخلافات بلا حلول

الصدى – متابعات /

معركة النفس الطويل بين السيسي والبشير: الخلافات بلا حلول

تبدو العلاقات المصرية السودانية في أسوأ أحوالها، بالتزامن مع تعقّد مسارات التفاهم حول سد النهضة الإثيوبي، لا سيما بعد التراشق الإعلامي الذي حدث منذ أيام بين وزيري الخارجية المصري سامح شكري والسوداني إبراهيم الغندور، عقب تصريحات الأخير عبر قناة “روسيا اليوم” عن تسليف السودان جزءاً من حصته المائية لمصر على مدار عقود، وأن بلاده تؤيد إنشاء سد النهضة، لأنها ستحصل على حصتها الكاملة من المياه وفقاً لاتفاقية 1959.

وحسم السودان موقفه من الصراع المصري الإثيوبي حول سد النهضة، بتأييد أديس أبابا، بعد الاتفاق التشاركي بين البلدين على استغلال السد في توليد الكهرباء، والاستفادة من بعض الواردات الزراعية، ما جعل مصر تبدو وحيدة عملياً ومجردة من أي حلول سياسية بالتعاون مع السودان، على ضوء اتفاق المبادئ الذي وقّعه قادة الدول الثلاث في الخرطوم، في مارس/آذار 2016، والذي تلته زيارة تاريخية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى أديس أبابا وإلقائه خطاباً أمام البرلمان الإثيوبي.

 

يقول مصدر سياسي سوداني، حضر بعض الاجتماعات المشتركة بين الدول الثلاث لحل الأزمة، في حديث مع “العربي الجديد”، إنه لا توجد أي مبررات أو معطيات تجعل الخرطوم تؤيد القاهرة في رغبتها تغيير أسس مشروع السد الإثيوبي أو عرقلته، فهي من ناحية لن تتضرر من فترة ملء خزان السد التي ستؤثر على مصر فقط، ومن ناحية أخرى فهي لا ترى أن مصر تقدم للسودان خدمات استثنائية تجعله يضحي من أجلها بالعلاقات التي يمكن تطويرها مع إثيوبيا.

 

ويضيف المصدر السوداني أنه “على مدار السنوات السبع الماضية كان بعض المسؤولين السودانيين يوجهون انتقادات للرئيس السوداني عمر البشير بسبب تعاطيه الإيجابي إعلامياً وسياسياً مع المخاوف المصرية من سد النهضة. وتلقى البشير العديد من النصائح بضرورة إعلان فصل المسارين المصري والسوداني، خصوصاً في ظل استمرار غلق مصر باب التفاوض حول مشكلة حلايب وشلاتين الحدودية، واكتفاء الأنظمة المتعاقبة في القاهرة بجهود صورية للتقارب مع السودان، في الوقت الذي تسعى فيه لدعم معارضي البشير، أو إفشال جهود سودانية استخباراتية ضد النظام الحاكم في دولة جنوب السودان”.

ويوضح المصدر السوداني أن “العام الحالي 2017 سيؤرّخ له مستقبلاً باعتباره مفصلياً في العلاقات بين البلدين، بعد اتهام البشير الأجهزة المصرية بتقويض دعائم حكمه، وطرحه مشكلة حلايب وشلاتين من جديد، وفرض قيود على الصادرات الزراعية المصرية ودخول المصريين، انتهاءً بتأييد الموقف الإثيوبي المائي، بعدما فشلت المفاوضات بين البلدين لحل بعض المشاكل العالقة كالمحاكمات العسكرية المصرية لمئات المواطنين السودانيين والامتناع عن تسليمهم”.

ويرى المصدر أن “البشير يستغل ورقة الضغط على مصر لزيادة شعبيته محلياً، وفي الوقت نفسه توجيه رسائل لدول الخليج وروسيا تحديداً مفادها بأنه يحكم نظاماً قوياً يمكن الاعتماد عليه إقليمياً. ويضاف إلى ذلك رغبته في الخروج بأكبر قدر من المكاسب في الملفات العالقة مع مصر، وعلى رأسها مشكلة حلايب وشلاتين”. ويشير المصدر إلى أن “معظم الوقائع التي تثير غضب الخرطوم من القاهرة غير معلن عنها، وتعرّف عنها معلومات شحيحة للغاية، بسبب ارتباطها بأعمال استخباراتية بين كلا البلدين، وقد يكون آخرها الإعلان المصري الأخير عن رعاية مصالحة في دولة الجنوب”.

من جهته، يقول مصدر دبلوماسي في الخارجية المصرية إن تعامل السيسي مع البشير فشل رغم محاولته استمالته، أكثر من مرة، لتكون مواقفه متناغمة مع مواقف القاهرة، خصوصاً في أزمة سد النهضة، في مواجهة رغبة أديس أبابا في التحكم بشكل كامل في قرارات إدارة السد، وتنظيم قواعد الملء للمرة الأولى، ثم الملء الدوري.

ويرجع المصدر إصرار السودان على التصعيد إلى أن بعض الدبلوماسيين المقربين من البشير اشترطوا بشكل ضمني، أكثر من مرة، أن تتنازل مصر عن مثلث حلايب الحدودي، في مقابل أن يؤدي السودان دوراً استراتيجياً لمصلحة مصر في أزمة سد النهضة، مؤكدين أن بلدهم لن يتضرر البتة من بناء سد النهضة، نظراً إلى وجود مصدر آخر لمياه النيل وزيادة حصة السودان المائية عن أغراض الزراعة والغذاء، ما يحوّل بلدهم إلى لاعب غير مؤثر في المعادلة الثلاثية لأزمة السد.

 

ويرجح المصدر المصري أن يكون التصعيد السوداني الأخير رداً على إعلان مصر رعاية مصالحة في جنوب السودان، بجهود استخباراتية معلنة، فضلاً عن فشل البشير في الضغط على السيسي عبر وسطاء خليجيين للنقاش حول مشكلة حلايب، استغلالاً لإجراءات ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والسعودية وتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير، أو فتح مسارات أمام الخرطوم لإحالة النزاع لتحكيم دولي أو التوصل إلى صيغة ودية لحله.

ويشدد المصدر على أن الخطوات المصرية التي ترسمها حالياً لجنة يديرها مدير مكتب السيسي، اللواء عباس كامل، وتضم ممثلين عن الخارجية والمخابرات العامة ووزارة الري، تقوم في الأساس على الابتعاد عن المسار السوداني وعدم المراهنة عليه، والتحرك المباشر للتفاوض مع الجانب الإثيوبي، مع التهديد الرسمي باللجوء إلى الهيئات الأممية لحل المشكلة من الجانب القانوني، سواء باللجوء إلى مجلس الأمن أو التحكيم الدولي، بناء على سوابق دولية حدثت بين دول أوروبا وأميركا الجنوبية في حالات النزاعات المائية وصدرت في بعضها أحكام وقرارات ملزمة، بعضها لم ينفذ، لكنها أدت بذاتها أو باتفاقات ودية بعدها إلى حل النزاع بصورة ترضي الطرفين، واستمرار التلويح إعلامياً بالحل العسكري، فضلاً عن محاولة استغلال وساطات أميركية وإسرائيلية.

وحول مصير الملفات الأخرى العالقة بين القاهرة والخرطوم، يؤكد المصدر “رغبة السيسي في إرجاء البت فيها إلى ما بعد حلحلة أزمة سد النهضة، حتى لا يعطي البشير فرصاً أخرى لممارسة الضغوط، أو المقايضة بتسليم أعضاء جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية المقيمين لديه، رغم إبلاغ مصر الإنتربول أكثر من مرة عنهم، أو التراجع عن الإجراءات الجديدة التي اشترطتها الدولتان لسفر مواطني البلدين بالمخالفة لاتفاقية الحريات الأربع الموقعة بينهما”.

وكان “العربي الجديد” قد كشف، على لسان مصدر حكومي، في يوليو/تموز الماضي، أن السيسي يبحث مقترحاً قدمته جهة سيادية بأن يقوم بزيارة إلى منطقة حلايب وشلاتين، أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، تأكيداً على مصريتها، في مواجهة المحاولات السودانية لإضفاء صفة التنازع السياسي عليها، وتصعيد أمر النزاع مع مصر إلى المحافل الدولية، ارتباطاً بالتطورات السياسية السلبية الأخيرة بين البلدين، وبعد زيارة مساعد الرئيس السوداني، موسى محمد أحمد، إلى حلايب، الواقعة أقصى شمال شرق السودان، جنوبي المنطقة المتنازع عليها، وجدد تأكيده على سودانية حلايب وشلاتين، وأن الخرطوم تصر على حل الأزمة “سلمياً”.

 

المصدر