معوقات العمل الوحدوي العربي وسبل تجاوزها / د. برهام غليون

في أصل غياب الوحدة العربية

لماذا كان انقسام ولم تكن وحدة

 

1- ملاحظات منهجية

هناك اليوم شبه اتفاق في الرأي بين العرب، من محللين وأفراد عاديين، على أن من بين العوامل التي أعاقت ولا تزال تعيق تحقيق الوحدة العربية:

– نمو النزعات الوطنية المرتبطة بالدولة القطرية التي أصبحت حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها والتي تفرض نفسها على  الشعوب والحاكمين في الوقت نفسه.

– الاختلافات في نظم الحكم والايديولوجيات، وما يترتب على ذلك من اختيارات متباينة في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومن توجهات متناقضة أحيانا في السياسة الخارجية والتحالفات الدولية. فهناك النظم الملكية والنظم الجمهورية، كما أصبحنا نتحدث اليوم عن دول معتدلة أي حليفة للغرب ودول متطرفة ممانعة ومقاومة للسيطرة الغربية.

– التباين الكبير في حجم الموارد الاقتصادية. فبعد انقسامه بين دول اشتراكية ودول رأسمالية، في حقبة سابقة أصبح الوطن العربي مقسما اليوم بين دول نفطية غنية وقليلة السكان يصل دخل الفرد السنوي فيها أحيانا إلى أكثر من خمسين ضعف دخل الفرد في دول فقيرة أخرى كثيفة السكان. ولا يكاد مثل هذا الفرق الهائل في مستويات الدخل يوجد في أي امة، بل في أي منطقة في العالم. مما يعني أن الدول الغنية هي الخاسرة في أي وحدة تدفع لا محالة إلى إعادة توزيع الموارد الاقتصادية.

– الصراع على الزعامة والنفوذ بين النخب والقيادات العربية. وهذا مصدر نزاع دائم بسبب المخاوف التي يبعثها عند الدول الصغيرة التي تخشى أن تبتلع من قبل الدول الكبيرة أو تخضع لسيطرتها ونفوذها، مما يدفعها إلى اللجوء إلى الحماية الأجنبية، كما حصل مع دول الخليج، بعد اجتياح الكويت من قبل القوات العراقية في بداية التسعينات. ومن الطبيعي أن تؤدي التحالفات مع الدول الأجنبية إلى تعميق الشرخ القائم بين الدول العربية وتضطر العديد منها إلى أن تعمل في أطار استراتيجيات دولية، وتستورد نزاعات إقليمية أو دولية لا علاقة لها بالمصالح العربية.

– عداء الدول الغربية وإسرائيل ومناهضتها النشطة لأي عملية تكتل أو توحيد أو حتى تعاون عربي جدي، لما يشكله ذلك من تعديل في موازين القوى الاستراتيجية يهدد النفوذ الغربي وربما الامن الاسرائيلي أيضا.

بيد أن هذا النوع من المقاربات الذي درجنا عليه في أدبياتنا القومية، والذي يسعى إلى وضع ما يشبه ال “كتالوغ” الذي يضم العوامل المساعدة من جهة والعوائق أو العوامل غير المساعدة على الوحدة من جهة أخرى، سواء استقى ذلك من دراسة تجارب محلية أو عالمية، يبدو لي عقيما، لا يسمح بتحقيق أي تقدم معرفي، ولا يساعد على فهم المسائل الجوهرية التي تكمن وراء ما يشكل بالفعل أكبر تحد للفكر والسياسة العربيين في الوقت الراهن. فبالاضافة إلى الطابع التاملي  الشكلي الذي يسم هذا المنهج، يبدو التاريخ فيه كما لو كان ثمرة عوامل ساكنة وقائمة سلفا، لا يطلب من الباحث سوى البحث عنها وكشفها. والحال أن التاريخ لا تصنعه العوامل وإنما هو ثمرة ديناميات متحركة تتجاوز العوامل والعناصر المكونة للمجتمعات وتضعها في سيرورة تبدل من محتوى العناصر والعوامل باستمرار، حسب البيئة والظروف وسياق الأحداث. ومن دونها لا يمكن لأي جماعة التغلب على عوامل الفرقة التي توجد فيها جنبا إلى جنب مع عوامل الوحدة والانسجام.  ولا يفيد في شيء إحصاء هذه العوامل او الإشارة إليها، بمقدار ما يهمنا الكشف عن الديناميكيات التي تدفع الشعوب والمجتمعات إلى تجاوز نقائصها والتغلب على نزاعاتها وتفتتها. وهذا هو الأصل في نشوء أي وحدة، سواء أكانت سياسية أو غير سياسية. فلا تولد الوحدة من التماثل أو الانسجام المسبق ولكنها هي التي تصنعهما. مما يعني أن ما يقود إليها ليست عوامل قائمة في الواقع وإنما إعادة تشكيل تسمح بتجاوز الواقع القائم. فالوحدة السياسية أو الاقتصادية هي عملية تغيير، ومن حيث هي كذلك تستدعي الصنع والتصنيع، وليست ثمرة ولادة طبيعية أو عفوية لعوامل ايجابية قائمة في هذه التشكيلة الاجتماعية أو تلك. ونعني بالديناميات حالة خاصة من التفاعل بين العوامل الموضوعية القائمة والذوات الفاعلة، تغير من معنى العوامل السلبية ذاتها وتعيد تفسير الواقع بما يغير من مفاعيله، فيتحول ما كان سببا في الانقسام إلى سبب للاتحاد.

ومن هنا، تختلف هذه الديناميكيات التي دفعت لتشكل الوحدات القومية من منطقة إلى منطقة، ومن حقبة إلى حقبة، ومن حالة إلى حالة أيضا. فليس هناك علاقة تذكر بين الوحدة الألمانية التي حققتها البسماركية بهيمنة الدولة الأقوى[i]، والوحدة الايطالية أو الفرنسية أو الاسبانية التي تحققت في فترات متباعدة أيضا[ii]، ولا بين الاتحاد الأمريكي والاتحاد الأوروبي الحديث، ولا بين الوحدة الصينية التي حصلت في سياق الثورة الشيوعية البروليتارية والفلاحية بحسب تعبير قيادتها، والوحدة الهندية التي كانت من تركات نظام الكومنويلث والسيطرة الاستعمارية.

فلا تخفي نظرية العوائق العنصر الأهم في التحولات السياسية التي تطرأ على الجماعات وتحولها إلى دول أمم موحدة، ولكنها تطمس أيضا الأنماط المتعددة لهذه التحولات السياسية وأشكال الوحدات النابعة منها. فنحن لا نعود نعرف عن أي وحدة نتحدث، تلك المستمدة من التجارب القومية أو الخاصة بالامم الدول، أم تلك النابعة من اتحادات بين دول قومية مختلفة. هكذا لا تكاد الادبيات القومية تميز في معالجتها عوامل تعثر قيام الوحدة  بين مفهوم الوحدة بالمعنى القومي، أي التي تنطلق من نظرية المطابقة بين الجماعة الثقافية والجماعة السياسية ونزوع الأولى بشكل طبيعي وحتمي إلى تكوين دولتها الواحدة، ومفهوم الاتحاد الذي هو ثمرة توافق واتفاق بين مجموعة من الدول التي ترى في توحيد جهودها، على صعيد أو أكثر، تحقيقا لمصالح إضافية لها أو لشعوبها، والتي تحصل بين أقطار ليس لها أصول قومية واحدة، ولا حتى بالضرورة لغة واحدة، كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي. وليس للمفهومين متطلبات نظرية وعملية واحدة. فالوحدة القومية تستدعي وجود أمة واحدة، وغيابها يطرح مسألة وجود هذه الامة نفسها من عدمه، أما الوحدة بين دول، والتي ينبغي تسميتها الاتحاد، لتمييزها عن الاولى، فلا تستدعي وجود أمة ولا ثقافة ولا شعبا واحدا. وهي متاحة لجميع أقطار الأرض، لأن أساسها ليس عوامل قرابة حقيقية أو مفترضة تدفع الشعوب إلى التقارب والاندماج لتحقيق هويتها الخاصة، وإنما إرادة سياسية محضة تعبر عنها الحكومات بمحض اختيارها، وتقبل بأن تتنازل عن جزء، كبير او صغير، من سيادتها لصالح سلطة اتحادية أعلى، يكون من صلاحيتها تحقيق مهام التنسيق بين جهد أعضائها وقواهم، وتوحيدها.

ومن الواضح أن انكفاء أصحاب الفكر القومي على الفكرة الاتحادية بعد أن يئسوا من فكرة الوحدة القومية الاندماجية لم يؤثر في اللغة القومية المستخدمة. مما أدى إلى تشويش كبير في مفاهيم الوحدة والدولة ووسائل العمل لتحقيق الاتحاد أو الوحدة. فلا يفيد الحديث عن مشاكل تكوين الامة العربية في فهم عدم تقدم الحكومات في تحديث جامعة الدول العربية مثلا وتحويلها إلى اتحاد، حتى من النوع الكونفدرالي الضعيف. ذلك أن مثل هذا العمل لا يحتاج إلى وجود أمة عربية وإنما إلى وجود حكومات تنشغل بمصالح شعوبها. وبالعكس، لا يمكن تفسير تعثر قيام الوحدة القومية أو إخفاقها من دون تحليل مسار تكوين الامة العربية، بل صلاح فكرتها وأطروحتها في نظر الكثير من المحللين لدرجة يمكن للبعض أن يستمد من هذا الفشل برهانا على هشاشة الحقيقة القومية أو انعدامها.

 

منذ بداية استقلال البلاد العربية طرحت مسألة الوحدة العربية على مسارين. المسار القومي الذي راهن على التعبئة الشعبية، كما هو منطقي بالنسبة لأي فكر قومي يستمد شرعيته من علاقته بالشعب. والمسار الرسمي الذي يراهن على تطوير التعاون والتبادل بين الأقطار العربية من خلال التفاهم بين الدول والحكومات والعمل الرسمي المنظم، لا العمل الجماهيري ولا التغيير الثوري. وهذا هو الأصل في إنشاء الجامعة العربية.

وقد تنافس المشروعان وتقاطعا في بعض الأحيان، لكنهما لا يتبعان المنطق نفسه ولا يستخدمان الوسائل ذاتها. ولم يكن رواد الحركة القومية يؤمنون بجامعة الدول العربية كوسيلة لتحقيق الوحدة ولا يحترمونها. وكانوا يطرحون في مواجهة العمل الرسمي العربي الذي وضعت أسسه لقطع الطريق على الحركة القومية، العمل الشعبي المعتمد على التعبئة والحشد الجماهيريين. وينظرون إلى قضية الوحدة على انها جزء من عملية تغيير شامل وعميق يدخل في صميم بنية المجتمع والدولة معا. ولم يترددوا في وصف مشروعهم هذا بالانقلاب، أي بالثورة وقلب الأوضاع السياسية، قبل أن تكرس المفردة للإشارة إلى الانقلابات العسكرية.

وبالمقابل بدا مشروع الجامعة العربية لفترة طويلة على أنه وسيلة لإفراغ فكرة الوحدة العربية من مضمونها، وإرضاء الجمهور العربي المتعطش للتغيير من خلال مؤسسة رمزية وشكلية لا تقدم ولا تؤخر في مصائر المجتمعات. ولذلك لم يكن من الغريب أن تخضع جامعة الدول العربية، في الماضي والحاضر، لهيمنة الدول والحكومات المحافظة، وتقتصر في عملها على الحفاظ على الوضع القائم من خلال التوسط لحل التناقضات والنزاعات بين الحكومات العربية، وتقريب وجهات النظر في ما بينها. ولن تتغير النظرة إلى هذه المؤسسة، ويتم الاستثمار فيها من قبل أصحاب الفكرة القومية والوحدويين العرب، بل والمراهنة عليها لتحقيق تقدم، ولو متدرج في قضية الوحدة العربية، إلا في وقت متأخر، بعد انحسار الحركة القومية الشعبية وانفراط عقد الحلف القومي الذي تشكل حول الزعامة الناصرية، أي بعد اليأس من إمكانية تحقيق الوحدة بالوسائل الشعبية والثورية وفي سياق التغيير والثورة الاجتماعية الشاملة.

ثم إن مفهوم العوائق نفسه لا يساعد على فهم المسألة المطروحة، بل يشوش عليها. فهو يوحي بأن هناك أمة جاهزة وناجزة تهدف إلى الوحدة وتنزع إليها، إنما يمنعها من ذلك وجود عوامل سلبية، داخلية أو خارجية، وأن المطلوب عندئذ لتحقيقها إزالة هذه العوامل أو معالجتها. والحال أن غياب الوحدة أو الإخفاق في تحقيقها يطرح هو نفسه وجود هذه الامة للتساؤل، فيصبح من الضروري مراجعة مفهوم الامة نفسه. وهو من المفاهيم المعقدة والغامضة معا لأنه يستخدم بمضامين وسياقات مختلفة ومتباينة. وبالمقابل، لا يمكن لأصحاب فكرة الجامعة العربية أن يتذرعوا بغياب الأمة العربية أو بالانقسامات العربية ليبرروا إخفاق مشروع التكامل العربي عبر المؤسسة الرسمية. فالعمل الحكومي لا يفترض وجود إرادة قومية واحدة.

من هنا يطرح موضوع تعثر قيام الوحدة العربية سؤالين لا سؤالا واحدا. وهو ليس من نوع أي العقبات حالت أو تحول دون قيام الوحدة العربية وإنما:

أولا، لماذا كان انفصال وانقسام وتباعد ولم تكن هناك وحدة؟ أي على أي عامل يرتكز نظام التجزئة، وكيف يعيد إنتاجه، إذا كانت هناك تجزئة، ولماذا لم تنجح الحركة القومية في كسر الحلقة وإطلاق ديناميكية توحيدية كما كانت تعد جمهورها. وهو موجه بالدرجة الآولى لأصحاب الفكرة القومية الذين نظروا إلى الوحدة وكأنها استكمال طبيعي لمسيرة التحرر القومي التاريخية لأمة، وجدت منذ القدم ولا تزال مستمرة، تصارع أعداءها، وتتحفز للتغلب عليهم وتحقيق ماهيتها في دولة الوحدة وحدودها.

ثانيا، ما الذي منع جامعة الدول العربية التي طرحت نفسها بديلا واقعيا وعمليا معتدلا لمشروع الوحدة الشعبية والثورية من أن تتحول، كما حصل في الكثير من بقاع الأرض، إلى منظمة إقليمية فاعلة في التنسيق بين جهود الشعوب الأعضاء فيها، وتوحيد قواها وإطلاق طاقاتها، على منوال المنظمات الإقليمية التي تكونت من دول لا تربط شعوبها بعضها ببعض لا صلة قرابة ولا لغة ولا دين؟

هكذا ننتقل من سؤال ما هي العقبات أمام الوحدة، إلى سؤال لماذا كانت فرقة أو قطيعة أو صراع ونزاع بين البلدان العربية، أي ما هي الديناميكية، أو تضافر العوامل والسياقات التي تفسر تفاقم التناقضات بين دول ومجتمعات كانت تتسم بمقدار من التجانس والانسجام أكثر بكثير مما أصبحت تتسم به اليوم. وما هي الديناميكية التي جعلت وتجعل الجامعة العربية، وهي منظمة إقليمية تجمع دولا مستقلة وسيدة من حيث المبدأ، طاحونة كلام لا تقدم ولا تؤخر في مسيرة الشعوب العربية[iii

من الواضح أن ما هو مطروح في معرض الجواب على سؤال تعثر الوحدة العربية على النمط القومي هو نقد الحركة القومية العربية التي كانت حصان الرهان الرئيسي على تحقيق وحدة لم تر النور إلا جزئيا، بين قطرين، وخلال سنوات معدودة، انطفأ نورها نهائيا بعدها. أما ما هو مطروح في معرض الجواب على سؤال تعثر تطوير الجامعة العربية من منتدى للتشاور بين حكومات عربية بعيدة كليا عن روح الاتحاد ومنطقه إلى منظمة إقليمية فاعلة وقادرة على التأثير في مصير شعوب المنطقة العربية والارتقاء بشروط حياتها وأمنها وحريات أبنائها واحترام حقوقهم، فهو نقد الدولة، او نموذج الدولة العربية ما بعد الاستقلالية، وفي قلبها نظام السلطة الذي يتحكم بها ويسيرها.

هذه هي الطريقة المثمرة في نظري لفهم آليات إنتاج الانقسام والتشتت، أو بشكل أدق إعادة إنتاجهما على نطاق موسع، داخل المجموعة العربية. وليس لهذه الطريقة علاقة بعملية وصف العوامل أو إحصاء العيوب والنواقص الذاتية أو البيئية.

سوف أناقش في بقية صفحات هذه الورقة فرضيتين للإجابة على السؤالين.

تفيد الأولى أن إخفاق العرب في تحقيق الوحدة القومية، او من النوع القومي الاندماجي على الطريقة الشعبية والثورية، هو ثمرة إخفاق الحركة القومية التي عملت على تكوينها وقادت مسيرتها. والحركة القومية قوة انبثقت في صفوف النخبة السياسية وعملت على مسرح التاريخ المشرقي ثم العربي. وعندما أقول إنها حركة فذلك لأميزها عن الفكرة القومية نفسها، وعن فكرة العروبة، وعن فكرة الوحدة معا. فهي قوة تاريخية منظمة أو شبه منظمة تصدت لقيادة حركة التغيير العربي انطلاقا من معرفة محددة للواقع، وحسب غايات وطبقا لقيم ومباديء، وعلى أساس خطط واستراتيجيات يمكن رصدها وتحليلها وتفسيرها. فلا يعني نقد الحركة القومية أو إظهار نقائصها، سواء من حيث معرفتها (تحليل واقع السيطرة الغربية، مفهوم الامة العربية)، أو من حيث اختياراتها الاستراتيجية (أولوية الوحدة)، أو في أسلوب عملها (الشعبوية التي تعوض عن لا فاعليتها بالرهان على الانقلابات العسكرية التي ستشكل مقبرة للحركة الشعبية: حصان الرهان لتحقيق الوحدة. فالدول القومية هي ثمرة حركة قومية نجحت في التحقق كأمة، أي في تحرير الجماعة التي تمثلها من تناقضاتها الذاتية، وتحرير الأرض التي تعمل عليها من السيطرة الأجنبية، وتكوين مركز سيادة سياسية وقانونية.

أما الأطروحة الثانية المتعلقة بتعثر العرب في تكوين منظمة اتحادية فاعلة، أي تجمعا متماسكا إقليميا، ليس من شروطه وجود أمة واحدة، فهو أن الدولة العربية، التي نشأت عن النظام الإقليمي شبه الاستعماري الذي استقر له الامر بعد إخفاق الحركة القومية الشعبية، لم تكن دولة بالمعنى الكامل للكلمة وإنما دولة ناقصة أو شبه دولة. ونقصها يكمن أساسا في افتقارها للسيادة الفعلية، مما يحولها إلى محمية، ويفرض عليها قوانين ومنطق التبعية والعمل ضمن نطاق استراتيجية القوى العالمية المهيمنة. فهي تعمل كوكالة محلية للمركز، تستمد القوة والشرعية منه، وتقدم له الخدمات، وتساهم في الاستقرار العام الذي يحتاج إليه ازدهاره واستمرار تسيده. وهذا ما فرغها من مضمونها القومي، بالمعنى الوطني والشعبي، وحولها إلى دولة أصحاب السلطة والحكم فيها، وقادها إلى أن تضمر في وجودها السياسي، كي ما تنحط إلى دولة أجهزة لا دولة شعوب، ودولة سخرة وإكراه وفروض، لا دولة حقوق وحريات ومواطنية وانعتاق. وهكذا أصبح استقرار السلطة داخل الدول العربية وإعادة إنتاجها يعتمدان على عزل الشعوب العربية عن بعضها، لا توحيدها.

 

2-  الوحدة العربية والحركة القومية

تقوم النظرية القومية على فرضية أساسية هي أن الجماعة الثقافية لا تكتمل شخصيتها وتحقق ذاتها، أي حريتها وسيادتها وازدهارها، إلا عندما تتجسد في دولة تلم أشتاتها وتجمع بين ما تفرق منها. وأن الدولة الامة، هي النموذج الأرقى للدول، وهي الوحيدة المنتجة لمباديء وحريات وحقوق وقيم أخلاقية. ومن أجل ذلك تنزع الشعوب جميعا إلى التكون في صورة دولة سيدة ومستقلة، وتشكل هذه الدولة خلية النظام الدولي الجديد الذي نشأ بعد زوال الدول الامبرطورية القرسطوية. وهذا ما يكرسه حق تقرير المصير للشعوب، وما يعبر عنه طموح الشعوب جميعا إلى انتزاع استقلالها وتحقيق ذاتها واكتمال وجودها في دولة مستقلة سيدة.

وفي هذا السياق نشات الحركات القومية التي ترهن نفسها لتحقيق هذا التطابق الكامل إذا أمكن بين الجماعة الثقافية والجماعة السياسية، أو الدولة، والتي تستمد شرعية وجودها من نجاحها في إنجاز برنامج التوحيد هذا، وتعتمد في عملها على التعبئة الشعبية والقوة الجماهيرية[iv].

لا تشذ الحركة القومية العربية عن هذه القاعدة. فهي آمنت أيضا بأن العرب الذين يشكلون جماعة ثقافية لا يمكن التشكيك فيها، يطمحون كغيرهم من الشعوب للتوحد في إطار دولة قومية، تجمع بينهم، وتمكنهم من تحقيق سيادتهم، وضمان أمنهم وحرياتهم، وتفتح شخصيتهم الثقافية.

لاقت هذه الأفكار صدى عميقا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، خاصة في المشرق. والتف حولها جمهور واسع حتى تحول شعار الوحدة العربية إلى شعار جماهيري وحماسي معا. وجاءت الوحدة السورية المصرية التي وقعتها القاهرة ودمشق في شباط 1958 لتؤكد على نجاعة الفكرة، وتجعل من الوحدة العربية محور مشروع تغيير عربي شامل يعيد بناء الامة والوطن في الوقت نفسه. وكان الرهان الرئيسي في تحقيق هذا المشروع الذي لم يخف هو نفسه طابعه الثوري، على التعبئة الجماهيرية، مما استدعى تكوين حركات قومية شعبية أو حدوية، تعمل بالتوازي للضغط على الأنظمة ودفعها بالقوة نحو اختيار الوحدة. وليس هناك شك في أن هذه الفكرة وتلك التكتيكات التي رافقتها قد حققت في الخمسينات والستينات نجاحا باهرا، ألهب مشاعر الجمهور الواسع، وفعل ذاكرته التاريخية، وأحيى آماله في المستقبل، وجعل من زعماء الحركة القومية، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر الذي برز كقائد متميز لها، أبطالا قوميين بامتياز، محوا بحضورهم ذكرى من سبقهم من أبطال الاستقلال وزعماءه في كل الأقطار.

ولعل فكرة الوحدة العربية قد استفادت، بالإضافة إلى استلهامها الفلسفة القومية الحديثة التي تجد خلاص الشعوب في تكوين الدولة المستقلة السيدة، على مستوى الوعي العام أو حتى النخبوي أحيانا، بما تبقى من ذاكرة الدولة الامبرطورية العربية التي تطابق بين وحدة الدين ووحدة الجماعة أو الأمة. في التصور الأول تبدو الدولة الواحدة التجسيد العفوي والطبيعي والمنطقي للوحدة الثقافية وفي مقدمها وحدة اللغة. وفي الرؤية الثانية تبدو الوحدة العربية أعادة بناء في صورة جديدة، عصرية، للإمبرطورية الاسلامية الكلاسيكية.

هذا يفسر عمق الشعور بالوحدة في وعي العرب المعاصر، وحنينهم الشديد لها، بالرغم من الانتكاسات التي عانتها، والتفتت والانقسام والنزاع الذي يسم الوضع الراهن، إلى درجة لا يكاد يكون هناك عربي، مهما كان مستوى تعليمه أو مكان إقامته، أو طبقته الاجتماعية، لا يرى في الوحدة السياسية التتويج الطبيعي للوحدة الدينية والثقافية، ولا يرى في غيابها الشذوذ بعينه. وهذا ما يفسر كيف يعيش العرب انقساماتهم ونزاعاتهم على أنها محنة، ولا يقبلون تبريرا لها، مهما اختلفت المصالح الوطنية أو الاجتماعية.

ليست هذه الرؤية الشائعة عند الرأي العام العربي مجافية للحقيقة. لكنها لا تتضمن إلا نصفها. وتبقى لذلك نظرة تبسيطية وميكانيكية، وبالتالي لا تاريخية، تفتقر لتحليل أعمق لواقع العرب، وانقساماتهم الطبيعية والشاذة، وواقع السيطرة الأجنبية في الوقت نفسه، وتخفق لهذا السبب في إدراك ديناميكيات الوحدة، أي فهم التفاعلات الثقافية والسياسية والاجتماعية داخل دائرة مفهوم الأمة العربية، وفهم جدلية الداخل والخارج، الأنا العربي والآخر الدولي.

ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى مثالين معبرين :

الأول مثال الوحدة العربية الأولى في تاريخ العرب الحديث، أعني الوحدة السورية المصرية التي عاشت أفضل بكثير من المشاريع التي تبعتها[v]. فقد قامت الوحدة في ظرف صعود بارز للحركة الشعبية العربية وانحسار حقيقي في درجة النفوذ الغربي، بل في مرحلة عانى فيها هذا النفوذ من عواقب أزمة خطيرة ضرت بتفكيره ووسائل عمله، على أثر حرب السويس التي زعزعت أركان السيطرة الاستعمارية التقليدية في المنطقة المشرقية. وبالرغم من أن الغرب وإسرائيل لم يكونا راضيين عن تحقيق هذه الوحدة إلا ان من الصعب القبول بأن انهيارها جاء لأسباب خارجية، او أنها سقطت بسبب تآمر القوى الغربية. لقد كان بشكل أكبر ثمرة تفجر التناقضات الداخلية، السياسية والاجتماعية، وسوء الإدارة وانعدام النضج السياسي، والحزازات الشخصية، والتنازع الأعمى على الزعامة، وتأخر الفكر الوحدوي، وسيطرة الروح الشللية التآمرية داخل النخب العربية، وشعبوية الحركة القومية، أو ضعف هيكلة الحركة الشعبية. وقد استفاد الغرب المعادي للوحدة من كل هذه العيوب واستخدمها ليقضي على نواة مشروع لا يهدف في النهاية إلا إلى تغيير توازن القوة والمعادلة الجيوسياسية في المنطقة على حساب السيطرة الغربية. باختصار لقد سقطت الوحدة من الداخل لا من الخارج. والذين أسقطوها هم سوريون، للكثير منهم إنتماءات قومية ووحدوية[vi]. أما الذين أسسوا قاعدة استمرار الانفصال، وتابعوا العمل الذي أخفق في تحقيقه الانفصاليون الأوائل، والطبقة السياسية التقليدية التي اعتقدت انها استعادت زمام السلطة من جديد، فهم طائفة من القوميين الذين ذهبوا أحيانا إلى اتهام عبد الناصر بالعمالة للولايات المتحدة والكذب في موضوع فلسطين، وزاودت عليه بالقومية وبالقرارات الاجتماعية “الثورية”، وأقصد حزب البعث في سورية والعراق. وكان من المؤكد أن لا يستطيع أي نظام انفصالي أن يستمر في سورية بعد ذلك من دون هؤلاء القوميين، أي من دون نظام يستمد شرعيته من الوعد بإعادة الوحدة، لكن على أسس مدروسة كما كانوا يقولون، تؤكد على التمسك بالعمل لفلسطين ومقاومة القوى الامبريالية وتطبيق قوانين ثورة اجتماعية أكثر رديكالية.

ولم يكن دافع هؤلاء، وما كان من الممكن أن يكون، عداءا للوحدة، وهي شعارهم التاريخي، ولا أيضا إصلاح نظام الوحدة غير العادل بالنسبة للسوريين كما كانوا يدعون، وإنما شعورهم بأنهم لم يحظوا بالنصيب الذي يستحقونه من المصالح السياسية والمادية في إطار الوحدة، أي لانهم أدركوا ان الوحدة لم تخدم أهدافهم في الإمساك بالسلطة، وبالعكس ساهمت في تهميشهم وسحب البساط من تحت أقدامهم عندما انتزعت الناصرية منهم، وبسبب كاريزمية رئيسها، قاعدتهم الشعبية التقليدية. لكن لا يمكننا أيضا ان نفصل هذا الانشقاق في صف القوى الوحدوية عن طبيعة النظام السياسي البيرقراطي الذي أقامته الناصرية في سورية، والذي فرغ البلاد من الحياة السياسية الحقيقية لصالح حكمها بالطرق والأوامر الإدارية[vii].

والمثال الثاني، والأكثر إثارة للتفكير، هو علاقة سورية والعراق تحت حكم حزب قومي واحد هو حزب البعث العربي الاشتراكي. فبدل ما كان متوقعا من تقارب طبيعي بينهما، بل من اتحاد هو هدف أول للحزب، سادت علاقة النظامين قطيعة تجاوزت في حدتها وعنفها أي قطيعة بين دول عدوة، إلى درجة قطعت فيها العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين البلدين تماما، وأصبح من المحرم على أي مواطن أن يطأ أرض القطر الشقيق والجار، أو أن يتعامل معه.

يطرح هذان المثالان سؤالا أساسيا: أين يكمن دور الاستعمار والقوى الاجنبية في ترسيخ التنافس والنزاع الداخلي والقطيعة بين القوى الوحدوية القومية؟ وأين تكمن الثقافة الحزبية والقومية؟ وما هو دور المصالح الخاصة للفئات والنخب المتناحرة؟

 

تكمن جذور الانحراف الذي عرفته الحركة القومية العربية وأودى بمشروعها، أي الوحدة، إلى خطإ نظري رئيس يتعلق بمفهوم الأمة ومعنى وجودها وتجانسها ووحدتها واستعدادها أو أهليتها للوحدة والتوحد. وهو ما ترك المجال واسعا لتلاعب أصحاب النفوذ والطامحين إلى السلطة، ثم استغلال الحركة الشعبية الواسعة لتحقيق اهدافهم الخاصة. وهو ما تشير إليه بوضوح ظاهرة استسلام الحركة القومية ل وتسليمها بالانقلابات العسكرية، وقبولها السير وراءها، قبل أن ترتد النظم العسكرية على هذه الحركة وتتحول إلى عدوها الرئيسي وجلادها.

وقد اعتقد القوميون العرب الذين قادوا الحركة الشعبية في الخمسينات والستينات أن الامة العربية حقيقة ثابتة، وهي قائمة بالفعل، بدل أن تعمل على إنشائها وبنائها. وصار أكبر همهم الحجاج مع خصومهم لإثبات هذا الوجود العابر للتاريخ. وقد استخدموا من اجل ذلك الحجج التي تشير إلى تجانس الشعوب العربية الثقافي، في لغتها وثقافتها وذاكرتها التاريخية كما نظروا لوحدتها الدينية أو عبقريتها المكانية.

كما اعتقدوا بأن ما يحول دون تحقيق وحدة الأمة وشعوبها هو وجود السيطرة الاستعمارية من خلال حلفائها من القوى الرجعية، الإقطاعية أو شبه الإقطاعية. ولذلك اعتبروا أن تحقيق الاستقلال السياسي وانحسار السلطة الاستعمارية، سواء أكانت سلطة استعمارية مباشرة، أو اتفاقات حماية ووصاية، سوف يفتح المجال أمام التعبير الصريح عن إرادة هذه الامة، ويقود لا محالة إلى تحقيق الوحدة والاندماج. وهكذا تم الربط بشكل لا ينفصم في النظرة القومية العربية بين مهام تحقيق الوحدة وقضيتها ومهام الصراع ضد السيطرة الأجنبية، وإسرائيل. واعتبرت الأمة موحدة بالطبيعة، باستثناء شريحة صغيرة من الرجعيين الذين يشكلون أحد آثار وبقايا السيطرة الاستعمارية. وبالمقابل استسهل القوميون الانقسامات الداخلية للمجتمعات، سواء اكانت من طبيعة اجتماعية او طائفية أو إتنية، ولم يروا الحاجة في معركة الوحدة الموجهة أساسا ضد العدو الخارجي، إلى التذكير بالمواطنية وما ترتبط به من برنامج الحريات الفردية والسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية[viii].

ليس هناك شك في أن هذا التصور للوحدة بوصفها وضعا قائما في الثقافة ولا يحتاج إلا إلى الترجمة إلى اللغة السياسية، أي الدولة، والشعور العميق الذي رافقه بالوجود المسبق للأمة العربية، وبداهة سيرها نحو الوحدة العربية، بل حتميته، قد غطى على التناقضات الداخلية التي تنخر المجتمعات العربية، بل كما سيظهر فيما بعد، الحركة القومية العربية نفسها، وحد من حافز المفكرين القوميين للتعمق في فهم التحديات التي يواجهها أي مشروع توحيد داخل الجماعة أو الأمة ذاتها، وفي تحليل الصراعات التي يثيرها مثل هذا التوحيد بالضرورة بين جماعات المصالح وشبكات السلطة والقوة. وهي تختلف من حقبة لأخرى ومن بلد لآخر.

ولأنها اعتبرت الوحدة الأمر الطبيعي، بينما التجزئة الامر الصناعي أو المصطنع، وبالتالي الطاريء والمؤقت، لم يطرح تحقيقها على القوميين العرب أسئلة كثيرة، ولا فكروا في استراتيجيات العمل الوحدوي الموضوعية، ولا في التحديات والمهام الملموسة التي يتوجب على العرب إنجازها لتحقيق هذه الوحدة. وشيئا فشيئا أصبحنا نعيش الفكرة وكأنها واقع، ونؤكد وجود الوحدة من خلال الإشارة إلى استمرار فكرتها حية في أذهاننا. وبالمقابل تركز جهدنا على إبراز عداء العالم الخارجي، وبشكل خاص الغرب، للوحدة وتآمره عليها، بدءا بمؤامرة سايكس بيكو السيئة الذكر، حتى حرب العراق الأخيرة. وهذا ما جعل هذه الحرب تظهر، بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام العربي، على أنها حرب على القومية العربية، وتدمير لرمز من رموزها، أو قاعدة من قواعدها العسكرية والسياسية القوية

وأصل هذا الاعتقاد المطابقة الميكانيكية بين مفهوم الأمة ومفهوم الجماعة الثقافية، والاعتقاد الثاني المرتبط به بأن وجود الوحدة الثقافية يؤهل لوجود الوحدة السياسية أو يقود لا محالة إليه. والحال أن هذه الفرضية الشائعة حول تكوين الأمم، ليست في واقع الأمر سوى ايديولوجية عكست وغطت في الوقت نفسه عملية التحول التي قامت بها النخب السياسية والثقافية في بلدانها في سياقات متباينة وتحت ضغوط وحاجات مختلفة أيضا، كان من نتيجتها بناء دولة تتطابق حدودها الجغرافية إلى هذا الحد أو ذاك مع حدود انتشار جماعة ثقافية أو لغوية. هكذا ولدت اول الحركات القومية في أوروبة تحت ضغط حاجات التوسع في الأسواق التي فرضها تطور الرأسمالية في طورها التنافسي والوطني الأول. ولذلك كانت القومية هنا قومية توسعية قادت إلى صدامات وحروب شرسة بين الدول التي تنازعت السيطرة على مناطق ثقافية لم يكن لديها على الأغلب خيار. ولم تراع هذه الدول والحركات القومية التي كانت تلهمها مبادئها الفعلية فضمت إلى حدودها ما استطاعت أن تلحقه بالقوة من أراضي وشعوب لا علاقة لها بثقافة الدولة المركزية، وحاولت أن تصهرها بالقوة، كما تشير إلى ذلك بصورة واضحة التجربة الفرنسية التي هضمت العديد من شعوب المناطق المجاورة وفرنستها بآلتها التعليمية والسياسية والعسكرية.

لكن الحركة نفسها لم تخضع للعامل ذاته في المناطق الأخرى. فقام بعضها كرد فعل على تحديات خارجية، وبعضها الآخر نتيجة حروب توسع تقليدية، بينما بقيت شعوب عديدة غير قادرة على التكون في صورة دولة مستقلة وسيدة بالرغم من وحدتها الثقافية وتجانسها الأتني. أما في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، فلا يمكن تصور حصول مثل هذه الحركة لأن ذلك يعني تكوين دول بعدد القبائل القائمة وهي تعد بالآلاف.

وقصدي، ليس هناك أي حتمية في تحول الجماعات الثقافية أو الشعوب المتجانسة إلى دول أمم. وهناك أمثلة أكثر على انقسام الجماعات الثقافية والدينية وتكوين مراكز سللة منفصلة وأحيانا متنازعة، بسبب صراع المصالح والنزاع على الموارد والسلطات. وليس من الضروري أن يؤدي العامل ذاته إلى التحول نفسه. فالرد على التحدي الخارجي الذي مثله التاج البريطاني لعب دورا حاسما في توحيد نواة الولايات المتحدة الرائدة ومن ثم تحقيق الوحدة الأمريكية. لكن مثل التحدي الذي مثله العدوان الاجنبي والاستيطان الإسرائيلي لم ينجب رد الفعل ذاته في البلاد العربية. ثم إن التقارب بين أبناء الجماعة الثقافية الواحدة قد يتحقق لإنجاز مهمة واحدة أو أكثر، ثم ينفض، كما حصل مع العرب في معركة ذي قار.

إن الذي وحد الأمم عامل من خارج الثقافة، هو السياسة بالضبط. الأمة هي ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، تكونت في إطار تشكل الدول الحديثة وكانت أحد ثمارها. وليس في تكوينها أي سر أو طابع سحري أو صوفي كما يتحلى أحيانا من كتابات العديد من المفكرين القوميين، والعرب منهم بشكل خاص. إنها صناعة سياسية تعتمد على فكرة أساسية ايديولوجية هي ما ذكرناه من حتمية التطابق بين حدود الجماعة الثقافية والدولة كجزء من نزوع الشعوب للتحقق والتكامل والازدهار الحضاري، وجملة من التقنيات والتكتيكات التي تهدف إلى خلق مناخ من الوحدة والتضامن والتكاتف بين الأفراد المنتمين لثقافة واحدة، قد يكون من بينها الحروب الدامية، والممارسات العنصرية، والعداء للأجنبي، وتغذية الخوف من الاجنبي أو على الامن عند الأفراد، كما هو واضح في حياتنا اليومية، حتى في القرن الذي نعيش. وتطرح الحركة القومية نفسها على أنها القابلة القانونية الطبيعية للأمة، لانها هي التي تقوم بالمطابقة الفكرية ثم العملية بين الجماعة الثقافية والدولة. ولذلك يشكل فشل تكوين الدولة إدانة للحركة القومية وانتقاصا من صدقيتها. فهو تجسيد لإخفاقها في تصور مهامها وقيادة معركتها.

وبعد أن زالت الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية القوية التي أمنت نجاحها في المرحلة الأولى في أوروبة، تحولت القومية إلى نمط من التفكير والممارسة السياسية يمكن لبعض النازعين إلى السلطة أن يستثمروه في سيبل تأمين قاعدة إجتماعية لهم من أولئك الذيين لا تزال الشعارات والمخاوف والهواجس والذاكرة القومية تعني لهم شيئا ما. لكن الايديولوجيات القومية لم تعد تعني الكثير بالنسبة لأغلبية سكان أوروبة والدول الصناعية عامة. فلا تنفصل الحركة القومية عن التحديات والضغوط والمصاعب التي تتعرض لها الشعوب. وهي تطرح نفسها كقائد لمعركة التوحيد، أي المطابقة بين الحدود الثقافية والسياسية.

أما في البلاد العربية فقد ولدت النزعة القومية في سياق تفكك السلطنة العثمانية وعلى قاعدة إضفاء معنى على عملية الانفصال عنها. ثم تغذت من الدفاع عن المكتسبات التاريخية المتمثلة في وحدة الجغرافية العربية في مواجهة مخططات الدول الاستعمارية التفتيتية. ولذلك شكلت بلدان سورية والعراق وفلسطين ولبنان والأردن مركز إشعاعها ومصدر نموها. ولم تلبث حتى عمت البلاد العربية بأكملها مع اشتداد حدة النزاع مع الدول الغربية التي كانت تسعى للإبقاء على سيطرتها ونفوذها في المنطقة العربية بعد رحيل جيوش الاحتلال بالطرق المختلفة، بما فيها الأحلاف العسكرية والمؤامرات والانقلابات المنظمة والعداء للحركات الشعبية وللتحولات الاجتماعية.

من هنا، لا ينبغي الخلط بين الامة بالمعنى  الثقافي او الديني والأمة بالمعنى السياسي. فلا تنبع الواحدة تلقائيا من الأخرى. وليست الأمة العربية معطى جاهزا بسبب وحدة اللغة والثقافة والدين، كما اعتقد رواد الحركة القومية العربية. إنها مشروع بناء تاريخي يمكن أن ينجح كما يمكن أن يفشل، ويمكن أن يتحقق بصورة مشوهة او سعيدة. ويمكن أن تنقلب او تنعكس أيضا وتتراجع، كما يمكن ان تتقدم. وهي لا تولد مباشرة من الشعب بالمعنى الاتني. ومن الخطأ أن نعتقد أو نفكر أن امتلاكنا ثقافة واحدة يحتم تكوننا كأمة. فالامة مسار سياسي حديث مستقل عن مسار الثقافة والجماعة الدينية أو الثقافية (الاتنية)

وكما انه لا توجد علاقة حتمية وضرورية بين الوحدة الثقافية والوحدة السياسية، كذلك لا توجد علاقة حتمية بين الوحدة الثقافية وتكوين دولة واحدة أو اتحاد. والدليل على ذلك هو أن أوروبة توحدث وهي أمم وثقافات مختلفة والعرب تفرقوا وهم على ثقافة ودين واحد.

وفي ما يتعلق بالبلاد العربية، تستحق أطروحة وجود ثقافة واحدة في الوقت الراهن نقاشا أوسع. فهي ليست صحيحة إلا في حدود المطابقة بين الثقافة والتراث. وهما امران مختلفان تماما. تراثنا واحد من دون أدنى شك. وأصل وحدته وتجانسه أنه لم يعد فاعلا في حياتنا السياسية وأمورنا المصيرية. أما ثقافتنا فهي تسير بشكل مضطرد إلى أن تكون ثقافات لا رابط بينها، أصولية وتغريبية وعلمانوية وعشائرية وطائفية ودينية وقوموية. وهذه هي النتيجة الطبيعية لإخفاقنا في تحقيق الأمة أو الدولة الأمة. ولو دققنا النظر في ما نعيشه اليوم لأدركنا أن جل ما يحرك سلوكنا من القيم والمفاهيم العملية يصدر عن ثقافة مضادة وسلبية سيطرت علينا منذ قرون، تقوم على الاستقالة الجماعية من الشأن العام والانطواء على المصالح الخاصة، ولا تخلق تعاطفا ولا تضامنا ولا تفاهما حقيقيا بين الأفراد، ومن باب أولى بين الشعوب والمناطق المتباعدة.

وإذا كان لساننا المادي واحد من حيث الرموز والكلمات والإعراب، إلا أن لغاتنا العقلية والذهنية شتى. فنحن لا نتكلم لغة واحدة ولا يجمعنا منطق واحد، وإنما أنماط من التفكير متباعدة ومتناقضة، حتى داخل الشخص الواحد نفسه.

أما الدين المستعاد اليوم كمرجعية تعويضية، أي لملء فراغ إجهاض نشوء مرجعية حداثية بعد أن تفككت المرجعية الاسلامية الكلاسيكية، فقد أصبح في الزمن الراهن، زمن التحولات الثقافية والاختراقات العولمية، عامل تفريق أكثر منه عامل توحيد، بقدر ما أصبح مرتعا للهويات الطائفية على حساب الهوية السياسية الجامعة.

ويلعب الاقتصاد العولمي الجديد دورا كبيرا في تشجيع حركة التفكك والتباعد بين الثقافات المستعملة داخل كل قطر وعلى مستوى المناطق العربية معا. والرأسمالية التي دفعت في مرحلتها الاولى إلى الوحدة من خلال ضغطها في اتجاه توسيع الأسواق، التي نشأت بشكل مستقل في مراكز متعددة من أوروبة، وتوحيدها وتسويرها بالثقافات الوطنية الخاصة، قد تغيرت كليا اليوم. وبالمقابل يتناقض طابع الاقتصاد الرأسمالي العولمي بشكل متزايد مع تكوين الروح الوطنية ويقوضها. وهو يدفع إلى الالتحاق بالمركز القائم لا إلى تكوين مراكز جديدة منافسة. وهذا يفسر نزوع النخب الحاكمة في كل مكان إلى الانشقاق السياسي والاجتماعي والثقافي عن مجتمعاتها والتفاعل في ما بينها على مستوى عالمي، وبشكل خاص النخب المنتمية إلى الدول الصغيرة والفقيرة. وتفكيك الأمم والشعوب النابع عن التمايز في مستويات تنميتها وإدارتها والاستثمار فيها هو النتيجة المباشرة لالتحاق النخب المختلفة بالسوق العالمية وتوظيفها الدولة التي تتحكم بها في استراتيجيتها الخاصة. ولذلك ما نشاهده اليوم داخل الدول الأطراف، ليس جهودا حثيثة تقوم بها النخب السائدة من أجل تعزيز الثقافة الوطنية والدفع في اتجاه المزيد من الاندماج الاجتماعي من خلال سياسات تكافل وتضامن وخدمات معممة، كما حصل في الدول المركزية، وإنما على العكس من ذلك الاستئثار بالموارد الثقافية والمادية، وتحطيم المشترك منها، وتوليد ثقافات التمايز الاجتماعي، ونظم تعليم تعيد إنتاج هذا التمايز داخل المجتمع الواحد وتعمقه. فما نعيشه اليوم ليس في الواقع سوى مرحلة تفكك الأمم أو أشباه الأمم التي تكونت في النصف الأول من القرن العشرين على أثر انحسار الصيغة الاستعمارية الكلاسيكية ونشوء حركات الاستقلال عند الشعوب المستعمرة. قومية الوطنية المناهضة للاستعمار.

ما كان يسبغ الوحدة على ثقافتنا وسلوكنا ويقدم لنا معايير ومرجعيات مشتركة تجعلنا نتصرف كأمة أو جماعة واحدة، هو الدين. والاسلام بالنسبة لنا بشكل خاص. بانحسار الدين عن الحياة العمومية، عن قضايا المجتمع والدولة والاقتصاد والسياسة والعلم والثقافة، لم يعد هناك رابط ولا مرجعية مشتركة. فلم تترسخ في وعينا العام ثقافة الحداثة وقيمها حتى لو أن نواة منها قد زرعت عند بعض أوساطنا ونخبنا الثقافية. ومن المستحيل ان تتوسع دائرة هذه النواة لتتحول إلى مرجعية عامة، وتعيد بناء مرجعية مشتركة لنا، طالما لم تتحقق الحداثة العملية، لا على مستوى الدولة ولا على مستوى الاقتصاد ولا على مستوى التكوين العلمي للأفراد. وكان من الطبيعي أن تعمل النكسة التي واجهت مشروع الحداثة عندنا على زيادة بعثرة رؤانا الفكرية ومشاعرنا وعواطفنا وتوجهاتنا النفسية وأن تزيد في تشويش فكرنا وزرع الفوضى الروحية في مجتمعاتنا. وفي اعتقادي أن السيطرة الأمبريالية هي التي ساهمت بقسط أكبر في إجهاض مشروع نهضتنا الحديثة وقطع طريق التجديد الفكري والسياسي. فقد شكلت مقاومتها والوقوف في وجهها ولا تزال، منذ انحلال الدولة العثمانية، محور تفكيرنا ومركز انشغالاتنا، لدرجة لانزال نتنازع إلى اليوم فيها بين من يريد إعطاء الاولوية للتحديث على حساب التفاهم مع السيطرة الأجنبية ومن يريد إعطاء الاولوية للمقاومة على حساب التحديث والتقدم في مشروع الحداثة. ولا يزال من الصعب الوصول إلى تسوية تسمح لنا بالسير معا وفي الوقت نفسه في مشروع المقاومة والتحديث، حتى لا تكون المقاومة انتحارا أو مقاومة مفقرة لوسائلها وقائمة على التضحية المجانية على الطريقة الدون كيشوتية، ولا تكون الحداثة استلابا للشعب لصالح نشوء أرستقراطية اجتماعية جديدة تستخدم موارد الدولة للتمكن من السيطرة على الشعب والتحكم به بصورة آلية، أي وسيلة لتنمية قيم التفوق والتمييز الاجتماعي بدل أن تكون إطارا للانعتاق وتنمية قيم المساواة والعدالة والحرية.

فواقع الحال أن العرب ، بعكس ما توقعت الحركة القومية العربية وفلسفتها، بدل ان يتجهوا نحو تكوين امة، وهو ما كان يستدعي إعادة إنتاج العروبة أو الهوية والوجود العربيين، في صورة حديثة، ومن منطلقات ومعايير العصر، التي تملك وحدها مفاتيح التوحيد في الوقت الحاضر، اتجهوا نحو التفكك والتبعثر والانحلال. وبعد أن كانوا جماعة ثقافية متجانسة تنزع إلى تكوين أمة سياسية متفاعلة ومتكاملة، تحولوا إلى خليط من الدول والجماعات والأقطار. وهذا التشكيل غير القومي أو المفتقر لمقومات الأمة، هو الذي يفسر، بمقدار ما تم تجاهله والتعامل الموضوعي معه والشغل عليه، ارتداد النخب القومية العربية ذاتها على وعودها ومبادئها، واستخدامها السلطة التي مكنتها منها الحركة الشعبية، لحسابها، ثم انقلابها انقلابا كاملا على الحركة الشعبية هذه وتركيز جهدها على سحقها وتفتيتها والسيطرة الكاملة عليها.

هكذا، لم يقدر للوحدة الأولى التي قامت بين مصر وسورية، بسبب انهيار الوضع السياسي السوري أكثر مما كانت ثمرة تفكير استراتيجي وعمل منظم وحدوي واع، طويلا. وبدت القوى الوحدوية، بالرغم من المد القومي الاستثنائي والدعم الشعبي الهائل، والزعامة الملهمة للرئيس جمال عبد الناصر، عاجزة عن التقدم إلى الأمام. ولن تستطيع أن تعبر حاجز المقاومة المتنامية والمزدوجة التي ستوجهها لها القوى الا مبريالية، ات النفوذ القوي في المنطقة، وحلفائها من القوى العربية المحلية المحافظة التي أدركت خطر الوحدة على مواقعها وسعت، بالتفاهم مع الغرب، إلى كبح جماح الحركة القومية وتحجيمها قبل أن تحاول القضاء عليها.

والواقع أنه، قبل أن تنقض عليها القوى الدولية الاستعمارية بتفجير حرب حزيران يونيو 1967، كانت مسيرة الوحدة قد لفظت أنفاسها في الصراعات العنيفة التي نشبت بين قادتها، وتفرد كل حركة انقلابية في البلاد العربية “المحررة” بقطرها، وانشغالها ببناء سلطتها ودولتها الخاصة، كما حصل في سورية والعراق بشكل خاص. فما كان أصحاب الانقلاب من الضباط الأحرار الذين صعدوا على أكتاف حركة قومية اعتمدت الشعبوية وآمنت بتجلى الروح القومية العفوية، يقبلون التخلي عن السلطة التي سقطت بين أيديهم، لزعامة أخرى، مهما كانت قوة نفوذها وزعامتها القومية، كالقيادة الناصرية، من دون شروط، ومن دون أن يضمنوا لأنفسهم أن يكونوا شركاء فيها.

وما إن تراجع المد الوحدوي القومي قليلا حتى ظهرت إلى السطح، بشكل عار أحيانا، ما الادبيات الكلاسيكية القومية تسميه مخلفات العصور الوسطى العشائرية والقبلية والطائفية والأنانية. وكان من الواضح أن الفكرة القومية لم تنجح في توليد أخلاقية جديدة من طبيعة وطنية، وتركت الساحة مفتوحة امام عودة التضامنات المصلحية والزبائنية بصورة ملفتة بعد أول مواجهة جدية مع القوى الخصم في حرب يونيو 1967. وشيئا فشيئا سوف ينحسر المنطق القومي الوطني أمام صعود منطق المصالح الخاصة من كل الأنواع، ويتم التفاهم بين النخب العسكرية القومية على حساب الوحدة والمشاركة الشعبية، ويدفع بشكل عميق نحو تكوين سلطات أوليغارشية عسكرية وبيرقراطية لا تمت بصلة للدول القومية ولا القطرية على السواء.

لقد استخدمت الفكرة القومية الوحدوية كاستراتيجية سلطة من قبل لتلك النخب الوسيطة الصاعدة في مجتمعات الخمسينيات العربية، على هامش انحسار سلطة الارستقراطيات التقليدية وتراجع نفوذها، وعلى أكتاف شعوب بدأت للتو تشعر بوزنها السياسي، وتعتقد أنها أصبحت قوة محركة وفاعلة. وفي ظل هذه الايديولوجية المثالية والمعبرة أكثر من أي ايديولوجية أخرى عن روح التضحية ونكران الذات، تمكنت هذه النخب، بتكويناتها المختلفة، من تامين قاعدة شعبية مكنتها من القضاء على القوى التقليدية الحاكمة والنافذة والحلول محلها. ولهذا ما إن ضمنت هذه النخب سيطرتها على السلطة في بلدانها حتى استقلت بها كليا، وأغلقتها كما لم يفعل أي نظام سابق على البلدان الاخرى، وجعلت منها معاقل تحتمي بها وتنقض من خلالها على القوى الأخرى المناوئة او المنافسة، داخلية كانت أم عربية خارجية.  لقد كانت الحركة القومية القاطرة التي حملت التغيير الاجتماعي داخل الأقطار العربية أو اكثرها، بما أمنته من تحالف استراتيجي ظرفي ضروري بين النخب الجديدة في مواجهة خصومها الداخليين، من قوى تقليدية ومحافظة. ولأنها كانت غطاء ايديولوجيا للوصول إلى السلطة، لم يمهد انتصارها لمشاركة أوسع من قبل الجمهور في الحياة السياسية، بل عمل بالعكس على عزلها وتهميشها. ولم يعمل استقرارها وترسيخ أقدامها على بناء الوحدة الموعودة، بل ولا على تعميق نزعتها الوحدوية، ولكنه دفع بشكل لم يسبق له مثيل إلى تكريس نظم الحكم المطلق والانفراد بالسلطة والتمسك المرضي بأدنى شارات السيادة القطرية ومظاهرها الفارغة. بمعنى آخر، عملت الفكرة القومية الوحدوية كوسيلة للسيطرة المنفردة لحزب واحد ضد خصومه داخل القطر، أكثر مما قادت إلى بناء إطار واسع للوحدة أو للدولة الواحدة يغير في خريطة توزيع القوة الإقليمية وتفكيك نظام السيطرة الاستعمارية.

وبذبول الحركة القومية نتيجة خيانة النخب القائدة فيها ثم انسحاب الحركة الشعبية وانكفائها على نفسها، فقد مشروع الوحدة العربية حامله التاريخي، ونحن نعيش اليوم مرحلة الثورة المضادة للقومية التي تترافق فيها الردة عن الفكر القومي، لدى العديد من أنصاره السابقين وفي الاتجاه المغالي، مع سياسات الانتقام التي تمارسها القوى الامبريالية التي عاشت فترة المد القومي كتهديد دائم. وهكذا فقدت الفكرة القومية زمام المبادرة وانتقلت إلى موقع المعارضة.  وقد تزعزع موقع الوحدة أكثر من قبل بمقدار ما أثار حفيظة القوى المحافظة، وعبأ ضدها القوى الدولية التي خشيت من انتصارها. مما يعني أن قضية الوحدة القومية صارت اليوم أكثر صعوبة وتعقيدا مما كان عليه الحال قبل الخميسينات. وربما لن يمكن بعدها التفكير بمثل هذا المشروع من جديد.

هذا ما يفسر اتجاه تاريخ العرب إلى السير إلى مزيد من التمزق والتشتت بدل الوحدة، إلى درجة من الصعب أن نتحدث فيها اليوم عن الرابطة السياسية بين العرب، داخل كل قطر وعلى الصعيد الجماعي، على أنها رابطة قومية. فوجودهم السياسي أقرب إلى أن يكون اليوم من نمط الإقطاع السياسي: النظم السياسية إقطاعية، والنخب زعاماتية وجهائية، أو نخبوية فاسدة. وإذا كنا لا نزال نستخدم كلمة أمة فذلك نابع من أننا نخلط في وعينا بين الأمة والإتنية أو الجماعة الثقافية. نحن جماعة ثقافية واحدة لكننا لسنا أمة سياسية. ولا تجمع بين أفرادنا رابطة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا على مستوى العلاقات العربية العربية ولا داخل كل قطر من الأقطار. فكي توجد الامة لا بد من وجود الدولة. وليس في البلاد العربية دولة بالمعنى  الحديث، وإنما سلطنات ومناطق نفوذ وعزب ومزارع خصوصية لأصحاب السلطة والسلطان.

 

3- الدولة القطرية ومأزق جامعة الدول العربية

قلت إن تفسير إخفاق مشروع الوحدة الاندماجية يكمن في خسارة الحركة القومية العربية التي عملت عليه، أما إخفاق العرب في تكوين اتحاد بين الدول على نمط الاتحادات الإقليمية التي عرفها العالم في العقود الماضية، فهو يربتط بطبيعة الدولة التي نشات في منطقتنا. وقد تحكم بتحديدها عاملان. الأول المكانة التي يحتلها الشرق الأوسط في استراتيجية السيطرة الغربية العالمية. والثاني تراث انهيار الحركة القومية وانكسار الحركةا لشعبية التي ألهبتها وكانت تقف وراءها. وبشكل من الأشكال، ورثت النخب التي رست عليها السلطة منذ السبعينيات، عبر النزاعات الداخلية والصراعات العربية، فضاءا سياسيا داخليا مفرغا من أي قوة أو فكرة منافسة حية. وكان بإمكانها من دون صعوبات أن تعيد نسج علاقاتها الدولية وبناء سياساتها الإقليمية بما يلائم انفرادها في السلطة واحتكارها لها واستمرارها فيها من دون رقيب ولا حسيب.

وهكذا انفتحت الحقبة ما بعد القومية على تطبيع مزدوج وسريع للعلاقات العربية العربية وللعلاقات العربية الغربية. فعلى الصعيد العربي لم يعد هناك معنى للحديث عن نظم تقدمية ثورية ونظم رجعية محافظة. وشكل الثلاثي المصري السوري السعودي ركيزة الاستقرار الإقليمي لعقود ثلاثة متواصلة. وعلى الصعيد الغربي، لم يعد هناك ما يمنع تطبيع العلاقات سوى العقدة الإسرائيلية، التي ما لبثت أن زللت بعد قبول جميع الدول العربية المعنية الالتزام بعملية المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي بالطرق الدبلوماسية، وشاركت في مؤتمر مدريد للسلام والمفاوضات الأخرى التي نجمت عنه.

وحصلت بالفعل مبادرات من اجل تفعيل منظمة الجامعة العربية وطرحت مشاريع عديدة لإصلاحها وتطويرها لترد على الحاجة الملحة لتشكيل إطار إقليمي عربي للتنسيق بين الجهود وتوحيد القوى وإطلاق عملية التنمية البشرية. غير أنها لم تتعد إلا في النادر الامنيات والأحلام. وسقطت جميعا بسبب ضعف الإرادة السياسية أو غيابها. وهذا ما يطرح أسئلة عديدة على المنطق الذي يسير السلطة في البلاد العربية ويوجه سلوكها واختياراتها.

من الصعب أن نفهم تردد الحكومات العربية في التقدم على طريق التعاون الذي يضمن للجميع مزيدا من الاستقرار، ويمكنهم من مواجهة التحديات الكبيرة، الأمنية والاجتماعية والاقتصادية من دون، تحليل طبيعة النظم القائمة والتزاماتها ونوعية التوازنات التي تقوم عليها. لكن في ما وراء ذلك لا أعتقد أن فهم آلية عمل هذه النظم ومنطق سياستها، يمكن أن يتم بمعزل عن تحليل الأطار الجيوسياسي الذي تعمل فيه، وأعني به موقعها في النظام العالمي، والوظيفة التي تقوم بها في إطار ضمان استقراره وحماية ازدهاره.

اعتقد القوميون دائما بأن النفوذ الاستعماري الذي طبع تاريخ المنطقة السياسي وتحكم به قبل انهيار الدولة العثمانية وبعدها، بل منذ توقيع معاهدات حماية الإقليات في القرن الثامن عشر، هو العقبة الرئيسية أمام تحقيق حلم الوحدة العربية. ولم يكونوا مخطئين في ذلك. لكن ما قصروا عن إدراكه هو أن زوال الاستعمار وخروج قواته العسكرية وإغلاق مكاتب مفوضه السامي لا يعني بالضرورة السيادة، ولا بالتالي تحرير الإرادة الوطنية. وليس هناك شك في أن التجمد على فكرة الاستعمار ونموذجه التقليدي قد حرم القوميين من التعمق في فهم آليات السيطرة الأجنبية وشروط العمل في الحقبة الامبريالية ما بعد الاستعمارية، وفي مقدمة ذلك علاقات التفاعل والاعتماد المتبادل في السلطة والسيطرة بين النخب المحلية والمركز العالمي، وأثر ذلك على بناء الدولة الوطنية ذاتها.

فبعكس ما كان عليه الحال في الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية، أصبحت السيطرة الخارجية جزءا من تركيبة نظام عالمي متكامل ومتفاعل، ولم تعد أحادية ظرفية. وأصبحت بنية متعددة المستويات، تمد جذورها في الدولة والمجتمع معا.

– فهي بنية جيوسياسية وجيوستراتيجية تتمثل في موازين قوى قائمة وعلاقات غير متكافئة تضمن التفوق للبعض والدونية الاستراتيجية للبعض الآخر.

– واقتصادية، تتجلى في ما نسميه الاستعمار الجديد أو التبعية او اعتماد الأطراف على المراكز وتبعيتها لها في تحديد معايير العمل والانتاج وفي الموارد الرأسمالية والتقنية والخبرة.

– وبنية ثقافية يمثلها نمط الاستهلاك وتنشرها وسائل الإعلام وتتعامل بها المنظمات المدنية العالمية.

– وأخيرا بنية نفسية، تميز الغالب عن المغلوب والسيد عن التابع والمتقدم على المتخلف وتحدد لكل طرف حدود أهدافه ومطامحه.

من هنا، بالرغم من أن إنجاز الاستقلال قد وجه ضربة قوية للنفوذ الغربي في المنطقة، ووسع من هامش مبادرة الشعوب العربية، مما أعطى لها الشعور بأنها أصبحت قادرة على الحركة وفرض إرادتها، وهو ما يفسر ازدهار الحركة الشعبية في حقبة ما بعد الاستقلال كما ذكرت، إلا أنه لم يلغ شروط السيطرة الأمبريالية العالمية التي تقسم المعمورة بين مركز وأطراف.

ولهذا، لن يقود الاستقلال إلى الاستقرار والتفرغ لتنظيم الشؤون العامة، كما حصل في العديد من الدول والأقطار، ولكنه سيؤجج النزاع، ويوسع من دائرته مع القوى الغربية، في موازاة تنامي طموحات الشعوب العربية، وتزايد شعورها بأنها أصبحت جاهزة لإعادة صوغ مشروعها الوطني في ما يتجاوز الاستقلال نفسه نحو تحرير فلسطين من الاستيطان الاسرائيلي، وتغيير علاقات القوى الاستراتيجية والجيوسياسية، وإعادة توزيع الموارد الاقتصادية. ولن ينتهي هذا النزاع العربي القومي الغربي الذي بدأ مع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي الذي أعقبه عام 1956 ليمتد إلى الحرب العالمية على الإرهاب التي صاغتها الإدارة الامريكية خصيصا لمعالجة المشكلة العربية، وما شملته من حروب في فلسطين ولبنان وغيرهما، مرورا بحرب حزيران يونيو 1967 وحرب تشرين اكتوبر 1973 وحرب لبنان 1982، وحرب العراق الأولى والثانية عام 1991 وعام 2003، حتى اليوم.

أكثر من نصف قرن من الحروب والنزاعات المفتعلة والمنظمة لتطويع الشعوب العربية وإفراغ الحركة الوطنية العربية من مضمونها وإعادة تحجيم الاستقلال العربي واستتباع النخب السياسية والحكومات.

بالتاكيد لم تنجح الاستراتيجيات النظام الغربي بوصفه مركز السيطرة العالمية في إخماد روح المقاومة لدى الشعوب العربية، وربما بسبب تحديه المستمر لها ومطابقة سياساته وشروطه مع السياسات والشروط الاسرائيلية. فلا تزال جذوة المقاومة مستمرة هنا وهناك على يد قوى وجماعات ليست أغلبيتها مرتبطة بالحركة القومية ولا مشاركة لها في فكرها. وهو ما يعبر عن التناقض الموضوعي بين نظام الهيمنة الدولية والمصالح الوطنية العامة للشعوب العربية.

لكن وجود هذه المقاومة واستمرارها لا ينبغي أن يخفي عنا حقيقة أن إسقاط مشروع الدولة القومية العربية من جهة، ومواصلة التكتل الغربي، مباشرة أو عن طريق إسرائيل، هجومه لإخضاع المنطقة من جديد، وتعزيز نفوذه المهدد فيها، قد أديا في النتيجة إلى إجهاض عملية بناء الدولة ذاتها في العالم العربي، القطرية منها والقومية، بما ساهما فيه من التحاق النخب بالسيطرة العالمية، وانحطاطها إلى أدنى مستويات الممارسة السياسية والأخلاقية، وتهميش الشعوب، وتفتيت القوى، وتشتيت الفكر والرؤية.

هكذا أفضى انهيار الحركة القومية الشعبية إلى بروز وضعية جديدة، استعاد فيها التحالف بين النخب المحلية الحاكمة والدول الغربية النافذة في المنطقة مكانته التقليدية، بل أصبح أكثر وثوقا وعمقا مما كان عليه الأمر قبل الثورة القومية، بسبب الاكتساح العسكري للساحات السياسية الوطنية، والاستمرار في الحكم خارج القانون، وغياب أي قوة سياسية داخلية ضاغطة.

وكما عمل ذلك على تعميق اندراج الدول العربية في استراتيجيات الدول الكبرى والنظام الدولي عموما واستتباعه لها، ساهم أيضا في تفريغ الدولة من محتواها الوطني تماما، وجعلها أداة طيعة في يد القوى المتحكمة بها، تستخدمها كما تشاء وحيث تشاء لتحقيق مصالح خاصة بها وتعزيز تعاونها وتحالفها الدولي. وتحت ضغط هذه المصالح والتفاهمات، بين النظم المطلقة السلطة والقوى الامبريالية المنتصرة على الحركة الشعبية العربية، سوف تتحول الدولة بسرعة إلى ما يشبه الوكالة الأجنبية، بل إلى وكالة بالمعنى الدقيق للكلمة، تعمل فيها النظم والنخب القائمة لصالح النظام الدولي لقاء تمكينها من السيطرة وإطلاق يدها في موارد البلاد وشعوبها. من هنا لم يعد الاستبداد نظاما محليا قائما بذاته، ثمرة اختيارات او توازنات داخلية، ولكنه قاعدة وجزء لا يتجزأ من نظام السيطرة الامبريالية التي أصبحت هي نفسها امبريالية عالمية. وفي ظل تحالف الاستلداد والاستعمار، الذي عززه موت الحركة الشعبية، ستتفاقم القطيعة بين النخب الحاكمة والشعوب. ويتقدم تفكيك الجماعة السياسية، أو ما يمكن أن يكون مشروع أمة، ونسيجا وطنيا حيا، وتفريغها من مضمونها. ، بل إن إنكار وجودها وتصفيتها هو السياسة الوحيدة التي تتيح للسلطة النابعة من هزيمة الحركة القومية أن تتشيأ وتستمر من دون حدود وأن تعمل من دون قيود. فهذه السياسة المضادة، أو بالأحرى مضاد السياسة، هي وحدها ما يضمن للنخب السائدة أن تستمر  في مشروعها الاندماجي مع النظام العالمي، والتهميشي في ما يتعلق بالمجتمع. تهميش المجتمع وتفريغه من هويته السياسية والمدنية، وبالتالي الحقوقية والقانونية، هما شرط استمرار الصيغة الامبريالية القائمة.

وهذه السياسة المضادة أو أو السياسة المضادة للسياسة والعدوانية معا تجاه الشعب، أفرادا وجماعة، هي التي تفسر عودة المجتمعات نحو أشكال ما قبل سياسية من التجمع والتضامن والتعاطف، أي الارتداد نحو الصيغ الأهلية التي لا يمكن إلا ان تكون جزئية وعصبوية، أي تمييزية وتجزئيية.  وغياب الفردية والهوية السياسية الوطنية. كما تفسر نجاح النخب الحاكمة في استخدام الفكرة الوطنية استخداما أداتيا، والتلاعب بها كما تشاء، بعد أن فقدت هذه الفكرة أي قيمة مادية أو مضمون على الأرض.

ولا شك أن طبيعة لاقتصاد العربي الذي تسيطر عليه العوائد الريعية والمضاربات، يلعب دورا كبيرا في نشوء هذا النوع من النظم واستمراره. فهو بالتعريف اقتصاد شبه استعماري يزدهر في التبعية ويستدعيها. ربما لا توجد اليوم منطقة استمر فيها النمط الاستعماري للاقتصاد مثل ما هو عليه الحال في المنطقة العربية.

كما أن نظام السيطرة الاستعمارية المتجدد يتمتع هنا بأداة إستثنائية، لا وجود لها في أي منطقة أخرى في العالم، هي إسرائيل والآلة العسكرية التي تشكل تهديدا مباشرا وأداة للضغط الدائم، لم تكف عن التدخل العسكري خلال العقود الماضية، سواء ضد حركات المقاومة لنظام السيطرة القائم، على مستوياته المختلفة، أو ضد النظم والسياسات والمشاريع والمؤسسات التي تعتبر أنها يمكن أن تقود إلى تغيير في خريطة القوى الاستراتيجية أو السياسية. فهي من دون أدنى شك الحارس الأمين لنظام السيطرة المزدوج، الاستبدادي الاستعماري.

 تخلق هذه العوامل والبيئات الاقتصادية والجيوسياسية والسياسية توازنات في المنطقة، او بالأحرى نظاما من العلاقات الداخلية والخارجية، يشجع على التباعد والانقسام والتنابذ وليس على الوحدة. فهو يدفع النخب العربية إلى التنافس في ما بينها على خطب ود الغرب، أمريكا وأوروبة أساسا، لانتزاع صفقة الوكالة، أو للعب دور في المنطقة يظهر سطوتها، او يضمن لها تكوين رصيد سياسي خاص بها، تلعب به، يعوضها عن غياب السياسة وهامش السياسة الداخلية. فليس هناك سوى الوزن الإقليمي المتميز للتعويض في نظر النخب الحاكمة عن انعدام الوزن النوعي الداخلي، أي عن غياب أي مجال أو فرصة لتكوين شرعية سياسية وطنية أو إجتماعية. السياسة تبنى هنا من دون شرعية، أي بإظهار السطوة والشوكة تماما كما كان عليه الحال في عصر الدولة السلطانية. فدولنا اليوم منقسمة بين من يسوق مقدرته على التهدئة وضبط النزاعات الداخلية لضمان توكيله من قبل النظام الدولي الذي هو في الحقيقة نظام السيطرة الغربية حتى الآن، ومن يهدد بتفجير الأوضاع وإشعال النار كي يستدرج لنفسه عروضا في التوكيل تتجاوز حجم قوته الحقيقية.

هذا هو المنطق الذي يقود العلاقات الإقليمية والدولية. وهو منطق السيطرة الامبريالية بامتياز. والأطراف فيه هي النخب الحاكمة المحلية التي تسيطر على القوة والثروة والموارد الوطنية والنظم الاستعمارية أو شبه الاستعمارية. فليس في هذا النظام مكان للشعب، ولا بالتالي لمشاريع تعمل لخدمته، مثل مشروع الوحدة أو الاتحاد. فمثل هذا المشروع يتناقض مع السيطرة الأحادية والأبدية التي تفرضها النخب الوكيلة الحاكمة وموكليها أيضا من أجل ضمان الاستقرار والاستمرار وصلاح التجارة الاستراتيجية.

أصل الوحدة، الوطنية والقومية، هو وجود الصالح العام، أو النفع العام. ما لم يوجد مفهوم النفع العالم ليس هناك وطنية ولا أمة ولا بالتالي نزعة للتقارب مع الدول المجاورة.

ودولنا ليست دول نفع عام وإنما نفع خاص. لذلك هي إقطاعات. والإقطاع لا يقود إلى الوحدة وإنما هو باالعكس رديف التفكك والتجزئة. الإقطاع ضد المواطنية، وبالتالي ضد الصالح العام. المصلحة العامة فكرة ضعيفة وتكاد لا توجد في وعي النخبة ونظام تفكيرها الراهن.

لذلك أيضا لا يوجد اتحاد دول عربية لأنه لا توجد دولة وطنية، أي يقودها مفهوم الصالح العام، في أي قطر، فلا اتحاد حتى بين دول إقليمية من دون وطنية، أي تطابق الإرادة الشعبية مع إرادة السلطة التي تمثلها. مما يعني أن الديمقراطية أو الدمقرطة تبقى المدخل إلى أي مسار تحاد بين الدول العربية، بمقدار ما تشكل الطريق الإجباري نحو إعادة السلطة إلى مصدرها وتأكيد سيادة الشعب ومصالحه واٍسبقيتها على المصالح الخاصة، المتحالفة مع المصلحة الأجنبية.

وبالمثل، لا يمكن للدولة أن تنزع إلى التوحد مع دولة غيرها في مشروع وحدة ما لم تكن سيدة أمرها. ومفهوم السيادة يتناقض مع الدولة الوكالة المحلية. والاتحاد مشروع سياسي تاريخي كبير لا ينسج منطق تكوينه مع منطق السمسرة الذي هو منطق الوكالة، سواء أكانت سمسرة سياسية أم اقتصادية. والدول العربية ليست دولا بالمعنى الكلمة، وليست سيدة امرها، وليست بالتاكيد، وكما أظهرت ذلك حرب غزة الأخيرة في يناير 09 صاحبة قرار، وليس لديها إرادة سياسية ولا منطق الخدمة الوطنية.

الدول الناقصة السيادة، أي المجهضة، هي بالضرورة دولة أداة في يد النخب التي تملكها، ليست دولة مجتمعها. والدولة العربية دولة النخب لا دولة الشعب. ولا يكون اقترابها بعضها من بعض إلا على سبيل التحالف المؤقت، والتعاضد ضد عدو مشترك، لا ينتج أي مشروع تعاون فعلي وما بالك بتشكيل اتحاد إقليمي يستدعي الرؤية التاريخية البعيدة والشاملة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية. كل ما تستطيع هو تفاهم مؤقت وتكتيكي تلجأ إليه من فترة لاخرى لتحسين أوراقها في النزاعات التي تتحكم بها، لا للارتقاء بشروط ممارسة الدولة لوظائفها القومية، أي ضمان حقوق أكبر لشعوبها.

 

4- ما هو المستقبل

لو دققنا في العوامل التي تقدمها الأدبيات القومية السائدة باعتبارها المسؤولة عن إعاقة تحقيق الوحدة، بشكليها الاندماجي والإقليمي لاكتشفنا أن كثيرا منها هو النتيجة الطبيعية لانعدام العمل الوحدوي أو غيابه أو تعثره، وليس العكس. فاختلاف النظم السياسية الملكية والجمهورية ليس إلا مظاهر ثانوية وشكلية لا تعكس أي تمايز في طبيعة السلطة الأبوية وشبه الإقطاعية السائدة في معظم البلاد العربية. أما الخصوصيات القطرية والوطنية، الثقافية وغير الثقافية، فيوجد مثلها داخل أي دولة عربية. وعلى جميع الأحوال، لا تعني الوحدة ولا تستدعي تعميم قيم منطقة ما وثقافتها على المناطق الأخرى. أما التباين في الموارد ومستويات الدخل، فمن الممكن أن تدفع بالعكس إلى التكامل لو نظر إلى البلاد العربية الأقل حظا في الثروات الباطنية بوصفها سوقا هاما لاستثمار ناجع لثروات أهل الخليج ومتموليهم. وبالمثل ليس النزاع حكرا على العلاقات بين الدول العربية، إنه سمة طبيعية للحياة الاجتماعية والدولية. وهو قائم داخل أي أمة مهما كانت موحدة. فعوامل الوحدة والصراع موجودة داخل أي مجتمع، سواء أكان في شكل أمة أو عشيرة أو جماعة دينية. ولا يمنع وجود ثقافة مشتركة وتاريخ واحد وذاكرة ودم مشترك داخل الأسرة الواحدة الأبناء من الصراع والاقتتال حتى الموت أحيانا. ما يختلف مع الدولة هو ضبط هذا النزاع ضمن قواعد قانونية مرعية وتحويله بالتالي من نزاع دموي إلى نزاع سلمي، يمكن حل الخلافات فيه بالطرق السياسية. وهذا صحيح بالنسبة للدولة عموما، سواء اكانت قطرية ام اتحادية.

ولذلك، إذا أردنا الحديث عن عوائق، فهي لا توجد على شكل عوامل متفرقة، متعددة ومتنوعة، إنها موجودة ومجسدة في طبيعة النظام المجتمعي الذي يشكل قاعدة النظام الإقليمي الذي يشكل هو نفسه جزءا من النظام العالمي الامبريالي، والذي لا تشكل المنظمة العربية الجامعة إلا انعكاسا سالبا أكثر له. فلا يستطيع هذا النظام أن يطلق ممارسة اتحادية فاعلة في الوقت الذي يخفق فيه في بناء مثل هذه الممارسة داخل كل قطر من أقطاره. فمفتاح وجوده واستمراره هو شل إرادة العمل الجمعي والمجتمعي العام في سبيل جعل الخاص، أي مصالح النخب الحاكمة، المبدأ العام الوحيد الممكن والجامع. فوجود هذا النظام مرهون بتحطيم أي مبدأ انتظام، داخليا كان أم إقليميا.

 

هل يعني كل هذا أن حلم الوحدة قد ضاع إلى الأبد؟

لا بالتأكيد. فلم يعد للدولة القطرية مكان في عصر العولمة الراهن. فهي تفقد بشكل متسارع فاعليتها ومقدرتها على السيطرة الداخلية والإقليمية. وليس هناك بديل عن التكتل مهما كان اسمه ونوعه. لكن السؤال كيف يحصل ذلك وعلى أي قاعدة ولصالح من؟ ومن الواضح أن ما نعيشه اليوم في البلاد العربية هو نوع من الوحدة الذي يحصل بالشكل الذي يرضي مصالح التحالف العربي الغربي من جهة، ويضمن استمرار النظم القائمة وثراء أصحابها وسطوتهم على حساب تهميش الأغلبية الشعبية وتجويعها وحرمانها من جميع أنواع الحقوق، بما فيها الحق في هوية وكرامة واعتبار. فالوحدة العربية قائمة لكن بين النظم السياسية المتجانسة تماما، وهي وحدة ضد السيادة وضد الحرية وضد العدالة وضد المساواة. ولا يمكن لأي شكل منها أن ينسجم مع مثل هذه المصالح أكثر من الشكل الذي تتخذه العلاقات بين الدول العربية اليوم.

ولو دققنا النظر لادركنا أن ترسيخ الدولة القطرية ليس السمة الأبرز في وضع العرب اليوم، وإنما تجاوزها، ولكن حسب ما يحتاج إليه استقرار نظام السيطرة العالمي وازدهاره. فلا يمنع الخلاف بين الزعامات العربية النظم القائمة من توحيد الآلة الأمنية، والتفاهم حول كل ما يحتاج إليه ضبط الشعوب وتهميشها وشل إرادتها. ولا يستبعد ميدان السياسة والاقتصاد والمجتمع عن هذه الوحدة. فقد انتقل الكثير من قيم وتقاليد نظم الحكم الأبوية والعشائرية الخليجية إلى النخب الحاكمة في البلدان العربية المحيطة، بما في ذلك مبدأ التوريث السياسي. وتشكل الاستثمارات الخليجية اليوم النسبة الأكبر من الاستثمارات الخارجية في الدول العربية، بينما تتحول دول الخليج أيضا إلى مركز الجذب الاول للعاملين العرب، من عمال وإطارات. وتكاد قناة الجزيرة تحقق لوحدها الوحدة الإعلامية والايديولوجية العربية، منافسة بذلك قنوات ثقافة الاستهلاك العربية والعالمية الكسموبوليتية.

وبالرغم من ضآلة فاعليتها تمثل جامعة الدول العربية إطارا سياسيا لتوحيد المواقف وحل النزاعات الداخلية بما يساعد على استقرار نظام السيطرة الإقليمي الاستبدادي والتابع معا. فهي أحد صمامات الأمان الصغيرة فيه. وتعبر قمم رؤسائها ومجالس وزرائها الدورية عن شعور النظم القائمة بالحاجة إلى إطار لتفريغ التناقضات ومعالجتها لتجنب المواجهات وحملات العداء المحتملة التي تهدد استقرار أي منها.

وقد نشأ في موازاة هذا التحالف الأمني بين النظم العربية توحيد مقابل للإعلام العربي أنجب وحدة عربية عميقة على مستوى المشاعر والعواطف والتفاعلات الفكرية والثقافية. وتترجم هذه الوحدة العاطفية والثقافية، والدينية أيضا، إلى تبادلات مكثفة بين أبنائها يرسم ملامح فضاء عربي متميز بوضوح عن الفضاءات القومية التي تحيط به.

وأكثر من ذلك، نحن موحدين بشكل أوضح عبر الغرب وفي نظره، وفي الاستراتيجيات الأجنبية التي تستهدفنا. وهذه هي الوحدة السلبية أو بالسلب التي استحقيناها. نحن موحدين في خضوعنا المشترك لسيف التسلط والعدوان وغياب الحقوق والأمن. ومركز توحيدنا هزيمنتا المشتركة في فلسطين وداخل كل قطر من أقطارنا. تجمعنا وحدة المصير البائس وسوء المعاملة وانعدام الآمال والآفاق.

وما كان بإمكاننا وقد خسرنا المعركة، أعني الشعوب والحركة القومية الشعبية معا، أن نتوحد في الدولة والسيادة والحرية والعدالة والمساواة والكرامة والانعتاق.  ولا أن ننتظر أن تكون برامج النخب العربية الحاكمة وسياساتها أكثر احتراما للمصالح القومية على مستوى الجماعة أو الأمة العربية مما هي عليه على مستوى كل قطر من الأقطار التي تديرها وتحكمها. إن أنانية السياسات القطرية، وافتقارها للمباديء الوطنية، وتمحورها حول خدمة مصالح النخب الحاكمة المحلية، كل ذلك لا يمكن إلا أن يبرز بشكل كاريكاتوري أكبر في إطار الجامعة العربية، وعلى مستوى العمل العربي المشترك، بمقدار ما يعكس تضافر الأنانيات المتعددة واجتماعها.

 

يحتاج بناء تكتل أو اتحاد عربي من النوع الذي يهتم بمصالح الشعوب وحرياتها وحقوقها، إلى قوى اجتماعية سيدة في فكرها وعاطفتها، مرتبطة بالشعوب، ومؤمنة بالعمل الوطني، وواعية لمعنى الصالح العام. وبغياب مثل هذه النخب الوطنية لا يمكن ان تكون وحدة العالم العربي إلا على النمط القائم الذي يكرس مصالح التحالف الاستبدادي الاستعماري، بما يعنيه من اتحادات وتحالفات هدفها تهميش الشعوب واغتيال الحريات وانتهاك الحقوق الفردية والجماعية وغض النظر عن مشروع اسرائيل التوسعي الاستيطاني، بل التغطية عليه والتعاون من أجله.

تشير التجربة العربية في الوحدة المهدورة والمغدورة إلى درسين مهمين:

أولا ، أن الوعي القومي لا يوجد مستقلا عن الوعي الاجتماعي، وبشكل خاص عندما لا يتم الشغل العقلاني عليه. مما يعني أن الصراع من أجل الوحدة لا ينفصل عن الصراع السياسي والاجتماعي، وأن الوحدة ليست هدفا منفصلا عن الأهداف الأخرى لدى أي طرف من الأطراف أو القوى الاجتماعية. فنحن العرب لسنا واحد صلدا منيعا على التعدد والتنازع والانقسام، ولكننا مجتمعات تبحث فيها القوى المختلفة عن مصالحها الخاصة، وفي سعيها لتحقيق هذه المصالح تصطدم بالوحدة، بوصفها مصلحة عامة، وطنية، فتقترب منها بقدر إدراكها أن تحقيقها يساهم في خدمة مصالحها وتنفصل عنها بمقدار ما تشعر بأن تحقيقها يخدم مصالح فئات أخرى على حسابها أو من دون مراعاة مصالحها. وبالمثل، قد تظهر الوحدة في العقيدة القومية شعارا منزها وقضية قومية، أي مبدئية لا تخضع لحسابات المصالح والمواقع والنفوذ. لكنها في الحياة العملية، أي في ساحة الصراع السياسي والاجتماعي اليومية، ليست كذلك. إنها لا ترتفع على المصالح، ولا ينظر إليها أي  طرف من الأطراف الاجتماعية على أن لها أسبقية على مصالحه الخاصة.

وثانيا،  أن الداخل ليس مفصولا عن الخارج إلى الحد الذي يعتقده المنطق ا لقومي. فهما متداخلان تماما. إذ لا تعيش النخب الحاكمة وتستمر في الحكم، في بلدان تقع في دائرة التبعية الاستراتيجية والبنيوية، من دون التكيف مع نظام السيطرة الإقليمي والعالمي، والتفاهم مع القوى الكبرى المتحكمة به. كما لا تستطيع القوى الدولية النافذة أن تفرض سيطرتها وتضمن إعاد إنتاج نظامها من دون تعاون النخب المحلية وتفاهمها معها. قد يحصل نزاع بين الطرفين في ظرف ما ولسبب ما، وقد يقود النزاع إلى تغيير المعادلة وتحسين شروط التفاهم والتعامل بين النخبة التابعة والقوة المركزية للسيطرة، لكن ليس هناك مهرب من التفاهم بينهما لتحقيق الاستقرار، أو لضمان استمرار النظام القائم الذي يؤمن مصالح الطرفين. وما نشهده من نزاع بين بعض أطراف النظام ومركزه في المنطقة لا ينبع من التناقض الاستراتيجي بينهما وإنما يعكس تبدل موازين القوى الدائم وسعي أحد الاطراف، في المحيط، لتحسين شروط عقده مع المركز، أو محاولة المركز استغلال ضعف بعض الأطراف للانقضاض عليها وإكراهها على تقديم تنازلات جديدة تزيد من استقرار نظام السيطرة القائم وتمد في عمره.

من هنا تبدو لي معركة الوحدة متطابقة مع معركة التحرر والانعتاق للأغلبية الساحقة من الجمهور، أي معركة التحرر من الأسر، الذي هو ثمرة تفاهم بنيوي بين النخب الحاكمة المحلية ومراكز السيطرة العالمية. وهذا ما يؤكد في نظري توافق التحرر الداخلي مع التحرر من السيطرة الأجنبية. لا تكمن استراتيجية الخلاص في تأكيد أسبقية الكفاح ضد الهيمنة الاستعمارية أو الاجنبية أو أسبقية الكفاح ضد الاستبداد ومن اجل الحرية والانعتاق للشعوب الأسيرة. فلا يطرح الواقع العملي مثل هذا الاختيار ولا يقود إليه. فالعلاقة بينهما علاقة جدلية، تعني أن أي تقدم في معركة التحرر من الهيمنة الخارجية يساهم في تقليص هامش المناورة السياسية للاستبداد، وبالتالي الاستبداد نفسه،  وأي تقدم في المعركة ضد الاستبداد يساهم في الارتقاء بمستوى المشاركة الشعبية، ويعزز المكتسبات في ميدان السيادة الوطنية. فكلاهما يصبان في هدف واحد هو تعزيز سيادة الشعب، أي في تكوين الأفراد كمواطنين احرار، مدركين لوحدتهم، وقابلين بإعمال مبدأ المساواة القانونية فيما بينهم، وفي التحليل الأخير، في تكوين الأمة كرابطة سياسية تجمع بين مواطنين أحرار ومتساوين. ما لم نصل إلى هذه المعادلة التي تربط الحرية الفردية بالحرية الجماعية فليس لنا أمل لا في تكوين دولة ولا أمة ولا اتحاد.

 

 

 

[i]             تحققت الوحدة الألمانية بفضل ما تمتعت به بروسيا من قوة نجحت من خلالها في جذب العديد من الممالك الألمانية الصغيرة قبل أن يأتي بسمارك ليحقق في نصره على النمسا اتحاد ممالك الشمال باسم كونفدرالية ألمانيا الشمالية 1876. لكن توحيد ألمانيا الشمالية مع ممالك الجنوب التي كانت متحفظة بسبب انتشار المذهب الكاثوليكي فيها لم تنضم إلى الاتحاد الألماني إلا عام 1870 بعد هزيمة بسمارك نابليون الثالث. وفي يناير 1871 سيعلن جميع أمراء ألمانيا خضوعهم لغيوم الأول كامبرطور ألمانيا الموحدة..

[ii]            بدأت مسيرة الوحدة الايطالية في عملية الصراع ضد السيطرة النمساوية التي كانت معادية لتحرر الشعوب، مثلها مثل الامبرطوريات الروسية والعثمانية المزامنة لها. وكان مركز الانطلاق مملكة بيمون سردينيا التي كان يحكمها ملك دستوري، فيكتور اميانويل، ورئيس وزرائه كافور الذي بدأ بتعزيز المملكة وتطويرها وتحسين قوتها العسكرية لاعتقاده بأنه سيواجه لا محالة حربا قادمة مع النمسا. وأمام خسارة النمسا الحرب ضم كافور عام 1859 مقاطعات جديدة لمملكته. ومن جهته نجح غاريبالدي بدعم من كافور في أن يسيطر على مملكة سيسيليا  ويضمها إلى مملكة بيمون سردينا عام 1861. وهكذا تحققت الوحدة الايطالية وعلى رأسها الملك فيكتور ايمانويل. ثم انضمت إليها البندقية عام 1870 بعد هزيمة ثانية للنمسا.

            أما فرنسا المكونة من موزاييك من الشعوب واللغات، فقد ضمت أجزاؤها واحدها بعد الآخر بالقوة. وخضعت لسياسة توحيد لغوي قاسية.  وكان للثورة الفرنسية وإعلان الجمهورية الدول الاكبر في صهر الخليط الفرنسي وتكوين أمة واحدة لا تزال آثار الجهوية قائمة فيها بقوة إلى اليوم. أنظر Emmanuel Le Roy Ladurie, Histoire de la France des régions.La périphérie française des origines à nos jours, L’Univers historique, Le Seuil, Paris, 2001

            أما الوحدة الإسبانية فقد بدأت بزواج ايزابيل دو كستي وفرديناند الثاني الذين وحدا مملكتهما ليكونا نواة الوحدة الاسبانية  في 1479. وسوف تتوسع بعد ضم مملكة غرناطة العربية عام 1492. وفي عام 1512 ستكتمل الوحدة الاسبانية بإلحاق مملكة نافار العليا.

[iii]  ليس في الوحدة على هذا النمط أي سر. وهي ليست من ميدان السحر والمعجزات. إنها توحيد للجهد وتنسيق للعمل تقوم به مجموعة من الدول الأعضاء من خلال التوقيع على اتفاقيات قد تغطي جميع ميادين النشاط المجتمعي أو بعضها. إن ما تحتاج إليه هو إرادة سياسية في العمل المشترك، ولا شيء غيره. وقد وقعت الدول العربية مئات الاتفاقات في إطار الجامعة العربية. لكن مشكلتها أنها لم تطبق أو طبقت بشكل جزئي أو متردد ومتقطع.

[iv]              [iv] لم يخطء المفكرون القوميون العرب، وفي مقدمهم ساطع الحصري وقسطنطين زريق، في إدراك هذا المعنى  للقومية، أي التطابق بين حدود الجماعة الثقافية والجماعة السياسية بوصفه أساس تكون الأمة في العصر الحديث، فجعلوا من اللغة والثقافة والتاريخ من حيث هو ذاكرة للجماعة، الدور الاكبر في تشكيل الأمم. وفي هذه الحالة يتلخص برنامج الحركة القومية في نقطة واحدة : العمل على مطابقة الحدود السياسية مع الحدود الثقافية للجماعة وتكوين دولة واحدة تضم جميع الناطقين بالعربية والحاملين لذاكرة العرب التاريخية وثقافتهم.

[v]            من مشاريع الوحدة التي لم تر النور اتحاد الجمهوريات العربية الذي ضم سورية ومصر وليبيا، وأعلن في 17 ابريل نيسان 1971، والجمهورية العربية الاسلامية التي أعلنت في 12 أبريل 1974 بين ليبيا وتونس، وميثاق طرابلس الوحدوي في 27 ديسمبر كانون الأول 1969 بين مصر والسودان وليبيا، والوحدة الاندماجية بين ليبيا ومصر عام 1972، وبيان حاسي مسعود الوحدوي بين ليبيا والجزائر في 28 ديسمبر 1975، والوحدة الاندماجية بين ليبيا وسورية عام 1982، والاتحاد الأردني الفلسطيني الذي انتهى مع فك ارتباط الأردن بالضفة، والاتحاد العربي  الأفريقي بين ليبيا والمغرب في إعسطس 1984، ومجلس التعاون العربي بين مصر والعراق واليمن والأردن، والذي انفرط عقده بعد حرب الخليج الثانية عام 1991

 

[vi]               هكذا بكى صلاح الدين البيطار بعد فترة،  اعتذارا عن توقيعه ميثاق الانفصال.

[vii]              تؤكد الوثائق أن عبد الناصر لم يكن راغبا في وحدة سريعة واندماجية وكان يدعو إلى وحدة تدريجية تتم خلال خمس سنوات. إلا أن الضباط السوريين الذين ذهبوا إلى القاهرة يطلبون تدخله، من دون معرفة حكومتهم او رئيس الجمهورية السورية، أقنعوه بأن عدم تحقيق الوحدة يعني خراب سورية وتمزقها بسبب غياب أي أساس للتفاهم بين قادتها ونخبها السياسية. وهكذا اضطر عبد الناصر إلى الإذعان لكنه اشترط لذلك حل جميع الاحزاب السياسية السورية. وربما كان هذا أسوأ ضمانة كان يمكنه الحصول عليها لضمان التحكم بعملية الوحدة. فقد ألغى بذلك حياة سياسية سورية غنية، وخلق فراغا سوف يستغله أعداء الوحدة، في الوقت الذي دفع فيه البعثيين الذين قبلوا هذا الإجراء على مضض إلى انتظار الفرصة السانحة للانقضاض على عبد الناصر واسترجاع سورية منه. ولن يكون تاريخ البعث بعد ذلك إلا تاريخ صراعهم من أجل إضعاف القيادة الناصرية وتشويه صورتها ومعارضتها في الساحة العربية والدولية، بالتحدي او الاستفزاز او المزايدة السياسية. وهذا ما حكم سلوكهم وقاد خطاهم ومنطق عملهم إلى أن أصبح مشروع الوحدة في حكم المشاريع المنسية.

[viii]               [viii] أول من واجه هذه المشاكل الوطنية، التي تعنى بتحقيق الأمة في الداخل، وكعلاقة بين الأفراد والطبقات، لا كموقف من الهيمنة الخارجية، هي القيادة الناصرية. ففي ظلها تحولت القومية إلى عقيدة سلطة ودولة مركزية، وكان عليها أن ترد على حاجات التحولات الاجتماعية. وعندما بدأ عبد الناصر بتطبيق بعض البرامج الاجتماعية ومنها برنامج الاصلاح الزراعي وتأميم الشركات الكبرى، لم يجد منافسوه من وسيلة لمواجهته وإضعاف صدقيته إلا بإشعال جبهة الصراع مع إسرائيل واتهامه بالتخاذل في القضية القومية. وعندما أدرك عبد الناصر أن مشروع الوحدة العربية فقد زخمه ودخل في مزايدات يصعب تحريره منها، انكفا هو نفسه على برنامج العمل الاجتماعي الداخلي. ومنذ ذلك الوقت لا يزال هذا التناقض الكامن، داخل الحركة القومية، بين مهماتها القومية ومهماتها الوطنية ثغرة تستغلها النخب المتنافسة على الزعامة في البلاد العربية، وبالتالي مصدرا خصبا لتكريس الانقسام واحيانا تبريره، أحيانا باسم التحولات الاجتماعية والاصلاحات الداخلية وأحيانا أخرى باسم تحرير فلسطين ومواجهة القوى الامبريالية.

[ix]               هذا يفسر أيضا لماذا  باءت مشاريع الاتحاد التي وقعها الضباط الأحرار أو نصف الأحرار فيما بينهم، على مراحل عديدة، بالفشل، ولم تسفر عن أي اتحاد. فقد كانوا يخونونها قبل أن يجف حبر الاتفاقيات الموقعة في ما بينهم. اتفاقية الوحدة الوحيدة التي صمدت أكثر من سنتين كانت اتفاقية الوحدة السورية المصرية. والسبب لا يكمن في قومية  الضباط السوريين الذين قاموا بانقلاب غير معلن على الحكومة المدنية وذهبوا إلى القاهرة للتفاوض مع عبد الناصر على الوحدة ، ولم يكونوا أساسا بعثيين، وإنما في فقدان الطبقة السياسية السورية عموما السيطرة على الوضع بسبب نزاعات حادة ومستمرة بين أطرافها، وافتقار الضباط الذين جروا وراءهم السياسيين إلى  القاهرة، وفرضوا عليهم الوحدة، للثقة بمقدرتهم على إدارة البلاد بمفردهم. وهي نقطة الضعف التي سيتغلبوا عليها بسرعة في ما بعد، ليستعيدوا سيطرتهم الكاملة على القطر السوري، ويصبحوا أكثر من ذلك معلمين كبار للانقلابية والحكومات العسكرية في العالم العربي. من هنا، ما حصل في سورية من تنازل لعبد الناصر كان استثناءا لم يكن من الممكن تكراره وكان من الخطا التشبث به والرهان عليه باعتباره نموذجا للتقدم في اتجاه الوحدة.

 

المصدر