«ملتقى الشَّارقة للرَّاوي».. وحديث «الفخراني» / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

قضايا ثلاث أثارت انتباه كثير من الباحثين والمتابعين والإعلاميين في الدورة الـ(21) لـ«ملتقى الشارقة الدولي للراوي»، الذي ينظمه «معهد الشارقة للتراث»، وقد جاء هذا العام حاملاً لشعار«قصص الحيوان»، أولها: تراكم الخبرة وما صاحبها من تطور في التنظيم وتعميق للأفكار، وثانيها: مخاطبة كل الفئات والطبقات والأجيال بما في ذلك الأطفال، وإشراكهم، وثالثها: الانتقال من خلال البحث العلمي من فضاء الحاضر بما يحمله من موروث شعبي، آخذ في التراجع والاختفاء، بما يمكن اعتباره تكتيكاً حتى لو قدِّم على أنه منطلقات للتأصيل والعمل المؤسساتي، إلى الترويج المبكر لصيغٍ استراتيجية، قد تجعل من الموروث، خاصة الشفوي، مُرتكزاً معرفيّاً، ليس فقط لتقديم أولويَّات احياء التراث، وإنما أيضا لصناعة حاضر يشمل كل مجالات الحياة بما فيها الاقتصاد.

لاشك أن طرح القضايا السابقة في الملتقى ـ كما جاء في الكتب المطبوعة، والأوراق البحثية المقدمة في الملتقى من عرب وعجم ــ يتطلب مزيداً من البحث في الإشكاليات التراثيّة، لكن المحصلة في ملتقى هذا العام تُعدُّ جَنْياً لرؤية ذات بعدٍ مستقلبي، وذاك هو المحصول الأهم منهجيّاً وفكريّاً، وعلائقيّاً أيضا، حيث النقاش المباشر، والحوار المُثمر، والاثراء المتراكم، والاختلاف البيّن أحياناً.

 

وقد تجلّى ذلك في أمرين، الأول: تَنَاوُل مواضيع تراثيَّة في عالم الحيوان، لم تكن معروفة، أو على الأقل محدودة من حيث الذكرى والتّذكُّر، لم تخل من حضور لعالم الصغار نظريّاً، والثاني: تحفيز الرُّواة كبارا كانو أم صغاراً ــ اعترافا بهم ومحافظة على الموروث، وقد كانت مفاجأة للجميع ظهور أطفال رواة على منصة التكريم في لفتة ـ معهودة ـ من د. عبدالعزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث، رئيس اللجنة العليا لملتقى الشارقة الدولي للراوي.

 

من ناحية أخرى، فإن ملتقى الشارقة الدولي للراوي تمدَّدَ جُغرافيّا على المستوى المحلّي بما يخدم أهداف إمارة الشارقة، ومنها تعزيز الحضور الثقافي المصحوب بالوعي المجتمعي والقومي، حيث التفاعل على الأرض في المنطقة الشمالية للإمارة، والتي شهدت إقبالاً جماهيرياً لافتاً في عدد من المواقع، منها: خورفكان، وكلباء، ودبا الحصن، والذَّيْد.. إلخ، والتفاعل افتراضيّاً على وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بمعهد الشارقة للتراث، وتمدّد أيضا عالميّا بما يخدم تراث الإنسانية كلها، على النحو الذي عايشناه من مشاركة باحثين أجانب، وأيضا تناول عدة دراسات عربية للتراث العالمي في مجال قصص الحيوان.

 

وقد أرجع عبدالعزيز المسلم، نجاح الملتقى وتطوره كل سنة إلى سبب موضوعي ذكره على النحو الآتي:«إن ما حققناه في هذه المسيرة الحافلة ما كان ليَرَى النور ويصل إلى العالميّة لولا الدعم المتواصل والرعاية الدائمة من قبل راعي الثقافة والتراث والعلم والمعرفة، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبفضل ذلك أصبح الملتقى علامة فارقة في المشهد الثقافي، ويكاد يكون فريداً وكبيراً في الوقت ذاته لأنه يأتي من نفس صادقة ويد حانية.. ففي كل عام، في سبتمبر، تتحول الشارقة إلى قبلة لكل عشاق ومحبي التراث من مختلف أنحاء العالم».

 

في هذا الملتقى كانت مصر حاضرةً من خلال كبار الباحثين في التراث الشعبي، مثل عدد من الدول العربية الأخرى، ومن خلال روّاتها الشعبيّين، وأيضا عبر فنانيها النجوم، حيث شارك يحيى الفخراني وهالة فاخر في ندوة بعنوان «قصص الحيوان في الدراما العربية»، وأدارها الفنان الإماراتي د. حبيب غلوم، ولاقت الندوة حضوراً لافتاً، وتفاعلاً كبيراً.

 

في تلك الندوة تحدث يحيى الفخراني عن تجربته في دوبلاج الأعمال الكرتونية من انتاج شركة«والت ديزني»، ونوَّه بتجربته في حلقات قصص الحيوان في القرآن، لافتاً إلى غياب استراتيجية عربية لإقامة صناعة أعمال تحريك درامية عربيّة تنهل من الموروث العربي، وتعظِّم القيم الأخلاقية العربية، عِوضاً عن انصراف جيل النشء إلى أعمال الكرتون والتحريك الأجنبية، التي تدعو إلى العنف، مؤكداً أن تنفيذ هذا الدور يقع على عاتق المؤسسات الرسمية.

 

ومن جانبها تحدثت الفنانة هالة فاخر في الندوة عن تجربتها في العمل الدرامي الموجه للأطفال، خصوصاً «بوجي وطمطم» الذي وظفت فيه الدمى بوصفها الشخصيات الدرامية للعمل.

 

بقي أن نشير هذا النوع من النقاش جاء بعد شهر حافل بالعمل والاحتفاء بالكنوز البشرية الحية والعديد من الورش والفعاليات، وهذا تضمنته حزمة من التوصيّات أعلنتها«عائشة الحصان الشامسي» المنسق العام للملتقى مدير مركز التراث العربي التابع للمعهد، يمكن إيجازها في الآتي:

 

– دعوة المؤسسات والهيئات العاملة في مجال التراث إلى تبني المشروعات الكبرى للفولكلور العربي، والاهتمام بها، ونشرها على أوسع نطاق حتى تعم الفائدة بها، واقترح المشاركون أن يقوم المعهد بهذا الدور لما له من إسهامات قيّمة في هذا المجال.

 

– الاهتمام بمشروع تصنيف مواد التراث الشعبي في كتب التراث العربي القديم.

 

– تسجيل وتوثيق قصص الحيوان من خلال الاستناد إلى أمهات كتب التراث، وتقديمها في قالب جديد مشوّق.

 

– إدراج الحكاية الشعبية ضمن المناهج التعليمية للمدارس من مختلف المستويات.

 

– إنجاز دراسات مقارنة بين حكايات الشعوب لمعرفة مظاهر التشابه ومواطن الاختلاف، وضبط التعريفات التراثيّة ضبطاً علمياًّ صحيحاً لتفادي الخلط أو اللبس بينها.

 

– تقييم الأوراق العلمية المقدّمة ضمن البرنامج الفكري المصاحب للملتقى، ونشرها ضمن كتاب جامع حتى يكون عملاً بحثيّاً وعلميّاً يعتمد عليه.

 

– تأسيس اتحاد لأقطاب التراث العربي يضم أعمالهم، ويكون له دور في صون التراث الثقافي غير المادي، والمحافظة عليه.

 

– تعزيز التواصل والتنسيق بين مختلف المؤسسات التراثية والثقافية في العالم العربي في الموضوعات الكبرى المشتركة، ممَّا يُسْهم في حفظ التراث العربي وصونه

 

المصدر