ملف العبودية في ليبيا نحو أبعاد جديدة وأشكال تصعيد غير متوقعة.. وتفسيرات للاهتمام الفرنسي الزائد بالقضية.

كتب : محمد الامين :

 هي التجرد والموضوعية، وفهم السلوك الدولي يقتضي إلماما ومعرفة بالخلفيات لكنه كذلك يستوجب تفحّص تاريخ الأمم وخصوصا الغربية منها، والمهيمنة على مناطق اعتبرتها حدائق خلفية لها على مرّ الأعوام والعقود.. فما من قوة ناشئة أو تقليدية تستطيع أن تقتحم مناطق نفوذ بريطانيا في الشرق الأدنى أو شرق أفريقيا أو جنوبها على سبيل المثال.. كما لا يمكن أن نتحدث عن غرب أفريقيا ووسطها وشمالها بمعزل عن النفوذ الفرنسي.. أو منطقة الخليج بمعزل عن الأمريكيين..

 

لكن المسرح الليبي الذي تزدحم فيه الأطماع كافة، وتتصادم فيه إرادات دولية كثيرة، منها الخفي ومنها الظاهر، فيه مفارقة عظيمة وعجيبة هي أنه يعتبر ساحة نفوذ للقوى الاستعمارية كافة من طليان وأمريكيين وبريطانيين وفرنسيين.. وهذا يجعله المشهد الأكثر تعقيدا، والأكثر تشابكا.. كل القوى المتزاحمة بنفس القدر من الشراسة والمكر، لكن الطرف الفرنسي المحكوم بعقدة أساسية هي الشعور الدائم بتعرض مصالحه إلى التهديد، هو الأشد خبثا واستعدادا للتفتين ونسف كل شيء عبر مخططات مدروسة دون الظهور في الصدارة أو في كادر الصورة..

 

هذا ينطبق كثيرا على ركوب الإعلام الفرنسي لموجة التحريض والشيطنة جراء ما تعرض له مهاجرون أفارقة في مناطق بليبيا من بيع واسترقاق..

صحيفة لوموند المقربة جدا من أوساط وزارة الخارجية الفرنسية لم تخيب الظن فيما كنت بصدد شرحه.. وفتحت منبرها فسيحا لأقلام أفريقية أطلقت العنان للكراهية والشيطنة معتقدة أنها بذلك تنصر العرق الأسود.. متناسية أولا أن هذا المكون طيف أساسي وأصيل في ليبيا.. وأنه قد تعرض إلى ما تعرض له سائر الليبيين من معاناة وبؤس وسط الفوضى والحرب الدامية..

 

لوموند الفرنسية تفتح الملف.. لكن التناول الخبيث للقضية يخرج بها تدريجيا عن المسألة الإنسانية إلى الفتنة العرقية ببلدان شمال أفريقيا من ناحية، وبين شمالي القارة وباقية أقاليمها، من ناحية أخرى..

 

لوموند تقارن بين استعباد الأفارقة في موريتانيا وليبيا.. رغم أن الممارسة المتخلفة التي نتحدث عنها ممنوعة في قوانين البلدين؟؟!! والمطلوب يبدو أنه أكثر من مجرد إدانة سلوك فئوي أو التعامل مع ظاهرة أنتجها غياب الدولة في ليبيا، وسيطرة الفوضى وانتشار السلاح وتدفق المهاجرين بأشكال غير مسبوقة عبر التاريخ!!

 

مخاطر التوظيف تتجلى من خلال مقالة أخرى لـ لوموند بنفس العدد.. تتحدث عن أن ظاهرة العبودية خارج سياقها الأمني والجيوسياسي، ولا تنظر إليها باعتبارها أمر ناشئ عن غياب الدولة وعن فراغ المشهد الأمني، وحالة الانفلات الأخلاقي والقيمي التي ترافق النزاعات في معظم الأحوال.. بل تُرجعها إلى ما تقول أنه “امتداد لحالة “الفوبيا من الزنوج” في بلاد المغرب” أو “المغرب العربي”!!؟؟

 

من هنا يمكنك أن ترصد الكمّ العظيم من سوء المقصد والرغبة الدفينة في التفتين.. تفتين يُراد منه اللعب على المتناقضات.. والضغط على شعوب بلدان غرب أفريقيا وحشرها في وضع خصومة مع الشعب الليبي وشعوب الجوار المغاربي..

 

هذا ما نعرفه، وما أمكن لنا إدراكه باستقراء ظاهر الأمر، لكن ما خفي عنا ربّما كان أعظم من مجرد قضية كراهية عرقية أو عنصرية، أو نزاع بمناطق محرومة راح ضحيته مهاجرون لا ذنب لهم غير أنهم بحثوا عن حياة كريمة.. وللحديث بقية.

 

المصدر