من أجل موريتانيا.. لنهدئ الأوضاع ونشرع فى البناء

أبوبكر بن مروان

شهدت موريتانيا حملة رئاسية متميزة في بعض جوانبها، يجدر أن يُهنأ عليها جميع المرشحين.. إذ لعلها كانت أرقى حملة رئاسية عرفتها البلاد، نجح فيها المرشحون عموما في الحفاظ على مستوى راق طبعته المسؤولية والترفع، على الرغم مما لم يكن منه بد من التجاذبات والتنافس السياسي المحموم، ولم يستسلموا -على العموم- لإغراءات التهجم الشخصي والخطاب المتشنج.. وشهدنا لأول مرة، طرح برامج وبداية لبلورة مشاريع…

 

وقد سنحت الفرصة لكل مترشح، أيا كان مشربه أو توجهه أو مساره المهني والشخصي، أن يعرض رؤيته و برنامجه الرئاسي ويسعى لإقناع الناخبين باختياره.

 

وتلك البرامج، وإن كانت قابلة للتحسين، إلا أنها تشكل سُنة محمودة نرجو أن يستن بها الساسة في المستقبل فى شتى الانتخابات سواء المحلية أو الجهوية أو النيابية أو الرئاسية – عسى أن ترتقى بذلك الممارسة السياسية وتنطبع بالمزيد من المسحة الأخلاقية وروح المنازلة الشريفة.

 

والآن، وبعد الاقتراع وإعلان نتائجه المؤقتة من قبل رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات، وما دامت النتائج المعلنة، حسب ما بلغنا، متسقة بشكل عام (وفى نتيجتها الإجمالية) مع ما بحوزة المعارضة من معطيات، اللهم إلا ما قد يكون من فروق طفيفة فى بعض الأرقام التفصيلية – ومادامت الخروقات حسب شهادة الكثيرين ممن ليسوا أتباعا للمرشح الفائز- لم تصل لحد الطعن في النتيجة الإجمالية، ولم تبلغ المدى الذى يبرر بشكل مقنع الحديث عن تزوير فج لإرادة الناخب…فإنه ثمت أسلوب مؤسسي ومسطرة للاحتكام – والاعتراض المدعم بالأدلة والمحاضر – لدى الهيئات المختصة، لتفصل قانونيا فى الطعون.

 

صحيح أن ورود نتائج الانتخابات بما تميز به من عدم اليقين جعل الجميع يحبس أنفاسه، نظرا لبطء الحسم وانفتاح الاحتمالات بشأن إمكانية شوط ثان ومع أي مرشح ؟ غير أن ذلك بحد ذاته كان عامل إثارة جديدا على موريتانيا، ما أعطى هذه الانتخابات فرادة بما لم يكن معهودا فى بلادنا.

 

واليوم، وبعد انقضاء الانتخابات، ونظرا لما سبق ذكره ، فينبغى ومهما كانت مآخذ بعض الأطراف أن يظلوا متشبثين بما التزموا به من وقار ومسؤولية وحرص على المصلحة العليا. فليس منا من لا يريد لموريتانيا أن تجتاز المنعطف الحالي بشكل سلس وآمن. إذ يعى الجميع بالتأكيد، الظرفية الحساسة وسياقاتها وحيثياتها وطنيا وإقليميا، بل وعلى نطاق عالمي، حيث تشابكت العوامل لزعزعة وتهديد الأمن في العديد من المناطق، بما ذلك منطقة الساحل والتى نحن في القلب منها…

 

وقد أحسن مرشحو المعارضة بدعوتهم للهدوء و ضبط النفس و تراجعهم عن تنظيم مسيرة احتجاجية، وعيا منهم بأولوية حفظ الأمن و السكينة وسعيا لوقف التصعيد.

 

ذلك أن التظاهر، وإن كان حقا يكفله القانون، إلا أنه إذا ما انفتح المجال لأن يفقد سلميته بأن كانت هنالك عناصر تتربص للانحراف به، أو إذا حملت الدعوةُ إليه نبرة التهديد، أوتزامن مع محاولات التوتير وضرب السلم الأهلي فى ظرفية مضطربة ، فإنه لن يُصلح الوضع وإنما قد يقود إلى مزيد التأزم والاحتقان بما لا يخدم مصلحة الوطن.

 

وحذار من النعرات العرقية ومن الشحن الفئوي والعنصري فى بلد هش فى محيط متقلب…ولنتعظ بمآلات التأزيم والفوضى وتجارب التخريب والتدمير من حولنا..

 

ولذلك كله، فإنه حري بنا أن نتفادى التوتير وتأجيج التناقضات والصراعات، ونؤثر الوسطية على التخندقات الحدية، عسى أن نفوت الفرصة على كل انتهازي (أجنبي أو داخلي) يبتغى الانجراف بنا إلى متاهات العنف أيا كان نوعه، إيديولوجيا أو فئويا أو عدميا…. وحري بنا أن نطوى، بشكل متحضر، صفحة الانتخابات المنقضية فور فصل المجلس الدستوري فى الطعون، حتى نمنح بلادنا فرصة لافتتاح مرحلة جديدة من الحوار والتعاون و البناء.

 

(2)

وعودة إلى نتيجة الانتخابات، فمادامت المآخذ لا تصل في حجمها إلى ما يؤثر جوهريا فى فوز الفائز، فإنى أهنئ الرئيس المنتخب السيد محمد ولد الغزوانى، وأدعو للعمل لإنجاحه فى مهمة العبور بموريتانيا إلى بر الأمان والتصالح والمصالحة، ومهمة البناء والنهوض.

 

وثمت أولويات مصيرية ومشكلات جوهرية ملحة يجدر بنا أن نركز عليها، وكنت قد تقدمتُ – قبل الحملة الرئاسية – بمقترحات للشروع الفوري فى معالجتها، وتم وضعُها آنذاك في متناول المترشحين.

وإن قضايانا المجتمعية الملحة، نظرا لتعقيدها واتساع نطاقها وما تطرحه من تحديات جسام، تستدعى مواصلة وتكثيف النقاش والتفكير الجماعي حولها بشكل موضوعي ومعمق، فى حوار ينفتح على مختلف الحساسيات بتنوع مشاربها وآرائها ومصالحها، كي يتسنى لكل منا أن يُسهم بشكل بناء فى إنجاح مسيرة بلدنا في المرحلة الجديدة.

 

وقد لمستُ من برنامج الرئيس المنتخب محمد ولد الغزوانى أنه أخذ بعين الاعتبار تلك التحديات المصيرية والمقترحات المطروحة، كما تعهد بارساء “مناخ سياسي هادئ لا إقصاء فيه” وبتهيئة الظروف المناسبة “ليتمكن كل مواطن من الإسهام فى مجهود البناء الوطني”، مؤكدا أنه بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا، فإنه “يتعين على الجميع أن يبقوا منفتحين للنقاش حول جميع القضايا الوطنية”. كما وعد بإرساء “إطار للتشاور وإشراك مختلف الفرقاء وأن يجعل منه “سُنّة متبعة بشكل دائم (…) ضمن علاقات احترام متبادل بين الأطراف، وسعي متواصل لإيجاد توافق حول القضايا الوطنية الكبرى”.

 

ولعل أشد الأولويات إلحاحا :

 

أ- قضية الشرخ الاجتماعي وضرورة الوعي بمداها واعتماد استراتيجية ناجعة لمعالجتها بالحد من الفروق الاجتماعية عبر آليات جريئة لرعاية الفئات الأشد فاقة وتحسين ظروفهم المعيشية. على أن تشمل تلك الآليات تشجيعا واسعا لتشكيل تعاونيات للاقتصاد الاجتماعي والتضامني يتم من خلالها إطلاق مشاريع منتجة، وأن تشمل كذلك معالجة قضية الملكية العقارية للأراضى من جميع جوانبها وإقرار إصلاح عقاري توافقي يُسهل حصول السكان الأكثر هشاشة على الملكية العقارية، بما فيها ملكية الأراضى الزراعية. ولتمويل هذه الخطط، فقد اقترحتُ إنشاء “صندوق طوارئ وطني” تتم تغذيته من مصادر متعددة من بينها الزكاة.

 

ونجد الرئيس المنتخب قد تعهد في هذا المضمار أن يجعل “مكافحة مختلف أشكال الغبن، وتوطيد اللُّحمة والوئام الاجتماعي” فى صدارة أولوياته والتزم “بتطوير وتأطير وتنويع آليات التعبير عن التضامن الوطني” معلنا عن نيته تأسيس “وكالة دمج اجتماعي ملحقة برئاسة الجمهورية” تجمع كافة البرامج الاجتماعية المخصصة للفئات المحتاجة، تُخصص لها موارد تصل إلى 200 مليار أوقية على مدى 5 سنوات.

كما تضمن برنامجُه تعهدا باستحداث “وكالة وطنية لتمويل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني”، تساعد حملة المشاريع الخفيفة والمتوسطة على الحصول على التمويلات الملائمة. وتعهد أيضا بإصلاح عقاري عادل ومنصف يعطى دفعا للنمو الاقتصادي، بما فى ذلك ضمان منح ملكية عقارية لصغار المزارعين بحماية القانون.

 

ب- قضية التعليم – وتستدعى وضعيته المتردية، فى نظرى، تعبئةً وطنية وإطلاق خطة طوارئ لإنقاذ المدرسة العمومية. وسبق أن عرضت بالتفصيل تلك الخطة من عشرة بنود، التى من شأنها إذا ما تم اعتمادها أن تساعد، بشكل تدريجي، على استعادة مستوى الجودة الذى نطمح إليه جميعا لنظامنا التعليمي.

و نجد تعهدات الرئيس المنتخب تأخذ بالحسبان الطابع الاستعجالي لهذه القضية، حيث وعد ب”الشروع بدون أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات الضرورية لإرساء قواعد المدرسة التي نحلم بها جميعا لأجيالنا الصاعدة”.

 

وتعهد ببرنامج تدريجي لإحلال “مدرسة أساسية عمومية حاملة لمعاني التلاحم الاجتماعي والوحدة” محل المدرسة الإبتدائية الخصوصية وذلك ابتداء من السنة الدراسية 2020 – 2021

كما تعهد بإنشاء “سلطة وطنية لمراقبة جودة التعليم” تضطلع بمراقبة جودة الخدمة التعليمية المقدمة لأجيالنا.

 

ج- تحدى إدماج الشباب – وهو الذى يتطلب تصميم حلول مبتكرة وملائمة لمشكلات شبابنا كي تستفيد موريتانيا مما لديها من مزايا ديموغرافية وما تتيحه تلك المزايا من إمكانيات لنهضة البلاد وازدهارها المستقبلي… ونذكر شقين هامين :

 

أولهما : تسهيل ولوج الشباب إلى وظائف إنتاجية وجيدة، وذلك باستغلال كافة “المخزونات” المتاحة، من خلال تأطير ومرافقة الاستثمارات في القطاعات الواعدة (المحروقات، المناجم، صيد الأسماك، إلخ) عبر تشجيع “محتوى وطني” حقيقي يُسهم في التوطين والتحكم التدريجي في سلسلة القيمة الاقتصادية لكل من هذه القطاعات وايضا من خلال إطلاق برنامج جريئ يعتمد على سياسة تحفيز الاقتصاد عبر “الانتعاش بأشغال البنية التحتية”، دون أن ننسى تشجيع القطاع الخاص على التوظيف عبر حُزمة من الإجراءات المحفزة.

 

ثانيهما : استحداث خدمة مدنية تكون إلزامية في نظرى لجميع الشباب من فئة عمرية (22 إلى 28 عامًا)، تركز في البداية على التعليم وإمداده مؤقتا بقوى عاملة إضافية، وتمتد في مرحلة لاحقة لتشمل قطاعات أخرى.

 

ونجد الرئيس المنتخب قد تعهد فيما يخص الشباب، بأن يطلق فور تنصيبه برنامجا ” لخلق 100 ألف وظيفة جديدة ذات جودة”، وأن ينشئ خدمة مدنية طوعية تسمى “وطننا ” تتيح للشباب الراغبين “فرصة الانخراط الطوعي في نشاطات تصب فى التضامن الوطني”.

 

د- وإن الشرط لنجاح ذلك كله، أن يتم العمل على إزالة العقبات أمام نهضة البلاد، وفى مقدمة ذلك معالجة ما نعانيه من هشاشة المؤسسات وتراجع للقيم. ويتعين لذلك العمل على تعزيز المؤسسية وتحسين جودة المؤسسات وإضفاء الصبغة الأخلاقية على الحياة العامة.. ومما يندرج تحته : استبعادُ الانتهازية واحترام الالتزامات والوفاء بالوعود واستعادة المصداقية للقول السياسي، كما تندرج تحته المحاربة الفعالة للفساد والرشوة، لنجعل من ذلك دعامة أساسية لتطوير وتجديد العقد الاجتماعي.

 

وتتطلب عملية التطوير وتعزيز المؤسسات، الاستعانةَ بالتقنيات الرقمية للتخفيف من بطء الإدارة واعتماد أنموذج “الحكومة الإلكترونية” الذى يساعد على تحقيق الفاعلية والتعامل الحيادي مع كافة المواطنين على قدم المساواة.

 

ونجد الرئيس المنتخب قد أخذ ذلك كله بعين الاعتبار في “تعهداته”، حيث أعرب عن قناعته بأن ” الجهود التي قد تُبذل في جميع المجالات ستذهب سدى، ما لم يتواصل العمل بدون هوادة لمحاربة الرشوة وسوء التسيير”. وتعهد ب “تنقيح وتنفيذ الآلية المتعلقة بمكافحة الرشوة” و”إعادة تنظيم وترشيد هيئات الرقابة”؛ كما التزم “بالتصدى بسرعة وفعالية للاختلالات التي تعانى منها مرافقنا العمومية، لاسيما ضبابية حدود المسؤوليات وتداخل الصلاحيات” والتصدى كذلك لظواهر “تدنى الضمير المهني والأخلاقي، وغياب مفهوم الدولة لدى الموظفين والوكلاء” و”عدم مواءمة مواصفات الأشخاص مع الوظائف التي يشغلونها”، متعهدا بتثمين الموارد البشرية عبر تطبيق مبدأ المكافأة والعقوبة.

 

ولتمكين الإدارة العمومية من تأدية مختلف مهامها على أحسن وجه، فقد وعد بتنفيذ استراتيجية لتطوير التقنيات الرقمية، و”الرفع من مستوى النفاذ إلى الخدمات العمومية ذات الجودة، من خلال برنامج طموح للحكومة الإلكترونية” وإنشاء “وكالة وطنية لمعلوماتية الدولة”.

 

وفى الختام، لنا أن نتفاءل بأن استراتيجية تنموية دافعة سيتم انتهاجها، تنبع من ” اقتصاد- سياسي” تتبوأ فيه أولوياتنا الوطنية موقع الصدارة، وتتراجع بموجبه توجهات “الرأسمالية المتوحشة” التى لا كابح لها، وتخف الممارسات الاحتكارية، وينتفع بمقتضاه جميع المواطنين من ثمار النمو الاقتصادي. وأن تنجح بلادنا فى رهان تنويع الاقتصاد وتوطين و”مرتنة” أقصى ما يمكن من سلسلة القيمة فى مختلف القطاعات خاصة منها الاستخراجية والإنتاجية.

 

ونجد الرئيس المنتخب قد لامس تلك التطلعات، وأعرب فى هذا الصدد عن عزمه “التصدّي للعراقيل التي تحول دون بروز اقتصاد منفتح ومتنوّع، يخلق فرص العمل والقيمة المضافة”، مؤكدا أنه سيعزِّز “قواعد التنافس الشريف، عبر مراجعة الأطر القانونية والمؤسسية، وتنظيم وضبط الاحتكارات أيا كانت طبيعتها”.

كما تعهد بأن يعكف على “تنويع اقتصادنا الوطني من خلال التركيز على القطاعات التي تتمتع فيها بلادنا بمزايا تنافسية” مع تحقيق المزيد من دمج قطاعات الصيد والنفط والغاز الخام في دورة الاقتصاد الوطني، وتشجيع الصناعات التحويلية.