موريتانيا .. الصعود التدريجي نحو القمة ( تدوينة رياضية ) .. صدام / الدده

كان يسمع منذ نعومة أظفاره أن كلمة ” فظمة ” قرينة لكرة القدم في بلاده، وكان يرى _ لفرط ما أقنعوه _ أن موريتانيا لا تستحق حتى أن يتم ذكر اسمها عندما تتحدث عن كرة القدم، على تويتر، فيس بوك او وجها لوجه، كحال جميع متابعي كرة القدم في موريتانيا، مرت عليك تلك المواقف التي تُسهب فيها بالحديث عن كرة القدم ليفاجئك أحدهم بسؤال .. من أي بلد أنت ياصديقي ؟؟ لترد على استحياء ” رياضيا ” _ فما كانت “مرتنتك” لتُخجلك ثقافة ولا علما_ : انا من موريتانيا .
دقائق صمت بعد إجابتك، يتبعها رد خجول من صديقك ” العَرَبِيِّ ” يقول فيه، نتمنى ان نشاهد موريتانيا في البطولات الدولية، لترد بعدها بحسرة أكبر، نتمنى ذلك .
قلة منكم لم يخوضوا هذه المحادثة يوما، المحادثة التي تنتهي بحسرة من جانبك، وسؤال مُقتضب من الطرف المحاور يسأل فيه باستغراب واضح ” ما سبب تراجع كرة القدم في بلدكم ” بنبرة تشي باستغرابه من الفارق المهول بين الفكر الموريتاني كروياً والعمل المُنجز ميدانيا .
أن تصل عام 2010 وانت تنظر بحسد الى الدول المجاورة وهي تتنافس على تشجيع الأندية العالمية بسبب أن أحد لاعبيها يلعب هناك ، أن تمر البطولات عليك وانت تتردد في المنتخب الذي ستشجعه، لتتقاسم في النهاية وبقية اخوتك البلدان العربية المتأهلة، آملين ان يكون المُتوج احدها، وأن تتجاوز الخمسين عاما بعد استقلال بلدك وانت تتساءل متى يستقل كرويا، ويُصبح له وزن بين بلدان القارة، و أن ترى جميع بلدان افريقيا بمختلف مستوياتها تتصارع على بطاقات التأهل، التي يُعتبر حصولك على احداها اصعب من تتويج روجيه فيدرر بجائزة الحذاء الذهبي، وأن يكون منتخب بلادك حصالة وردية لبقية المنتخبات، فلا هو بالمستوى الذي يغير به مسار متأهل بالتغلب عليه او عرقلته، ولا بالقوي الذي يسمح لك ان تراه في اجمل احلامك منافسا على بطاقة التأهل.
حبل الأفكار انقطع وانت تجيب بصوت خافت أن الدولة الموريتانية لا تهتم كثيرا بالرياضة، وأنها تركز على أمور أخرى .
كل هذا تغير في عدة سنوات، مع وصول الشاب احمد ولد يحي الى دفة القيادة، وبدئه بالترويج لمشروعه الذي سيساهم في تقدم كرة القدم المحلية .
ترويج سبقه ايمان مُطلق من ولد يحي بقدرة موريتانيا على فرض نفسها رقما صعبا بين منتخبات القارة، ليصحب ذلك دعم منقطع النظير من دولة رأت النور مع نهاية النفق، فوضعت كل الجهد الممكن لدفع عربة التطور نحو الأمام .
جهود اظهر منتخب المحليين جدوائيتها، بوصوله مرتين الى نهائيات كأس أمم افريقيا، في انجاز لم ينفع المتشائمين التقليلُ منه، بالقول ان البطولة لا تستهوي كبارة القارة . فمجرد عزف النشيد الوطني لموريتانيا في محفل دولي او قاري، كان اغراء بحد ذاته، و دافغا لسهر الليالي و بذل الجهود لتحقيقه.
المشروع الموريتاني لم ينته عند تلك النقطة، بل ربما كانت هي الحافز الأكبر لبذل مزيد من الجهد، في مشوار بدأ بالمحليين، ولن ينتهي الا مع عزف النشيد الوطني في كأس العالم .
فتحول منتخب المرابطون من فريق تتم السخرية منه والتهكم عليه ما إن تضعه القرعة رفقة منتخبك، الى فريق تخشى اعتى المنتخبات الافريقية مواجهته، و يعد مدربوها الف سيناريو قبل لقائه في نواكشوط .
فخسرت بوركينا فاسو و جنوب افريقيا وانغولا امام موريتانيا، وأُرهقت تونس و الكاميرون كثيرا قبل خروجهما منتصرتين، وبات الحديث عن الفوز على بوتسوانا و بوروندي و غينيا أمرا عاديا لا يحتاج الإشارة إليه، وكأن موريتانيا اعتادت مثل هذه النتائج .
ولأن الانتصارات هي اقوى حجة لتغيير العقلية، تحول الموريتاني من الخوف من الخسارة الثقيلة امام أي منتخب، خف او ثقُل وزنه الى خيبة الامل مع أي اخفاق في التأهل، وتحولت الكرة الموريتانية الى مشروع يتم القاء المحاضرات وإقامة الندوات للاشادة به وتحيته، اصبح بامكان لاعبي اف سي نواذيبو و تفرغ زينة مواجهة صلاح وماني نجمي ليفربول و اوباميانغ نجم ارسنال و زياش نجم تشيلسي، كما فُتح باب الاحتراف أوروبيا على مصراعيه لهؤلاء وغيرهم من اللاعبين الموريتانيين.
موريتانيا اليوم تستضيف رؤساء اتحادات دول لم تتخيل أن يزوروها، رفقة رئيس الاتحاد الدولي لتقرير مصير القارة كلها، في اجتماع انصبت أعين العالم أجمع عليه لمعرفة ما سيتم تقريره فيه، ليس هذا فحسب بل إن موريتانيا اختتمت لتوها تنظيم بطولة اشاد الجميع على أنها ناجحة على كافة الأصعدة، الصحي و الأمني و حتى على صعيد اللاعبين فالأكيد أن شباب موريتانيا باتوا يحظون بسمعة جيدة وسط أقرانهم من نجوم القارة .
قبل أعوام من الآن لم يكن أي من هذا ممكنا، لكن اليوم، بالإمكان القول إن موريتانيا باتت نجمة ساطعة في سماء افريقيا، مُطرزة بشهادة القاصي و الداني على أنها تستحق تنظيم بطولات أكبر، كما استفاد لاعبوها من هذه البطولة ليُظهروا للعالم أننا في موريتانيا نعرف عن كرة القدم .. كيف تُلعب .. وعن البطولات كيف تُنظم .. وعن الإشادات كيف تُحصد.
فخور لأني كنت طرفا في هذا وإن قلت مساهمتي ومبروك لكل موريتاني أيا كان موقعه رصيدا إضافيا من السمعة، ينضاف للكرم وحسن الضيافة .