موريتانيا بين الاستقلال والاستغلال !!! / بقلم : محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير

الصدى : زاوية قلم رشاش /

يعيش وطننا الحبيب هذه الأيام، أفراح وأتراح الذكرى الواحدة والستين لحصول موريتانيا على استقلالها التام عن المستعمر الفرنسي، الذي نهب خيرات هذه البلاد عقودا قبل الاستقلال، ولم يكلف نفسه عناء التكرم عليها ببعض مواردها المسروقة من أجل تجهيزها لمقتضيات الدولة الحديثة، خاصة من حيث البنى التحتية و التنموية وتكوين وتأهيل الكادر البشري ، كما فعلت في مستعمراتها الأقل مواردا من موريتانيا ، وكأن العقلية الاستعمارية البغيضة ترغب في أن يظل سكان هذا المنكب البرزخي ، في غفلة عن ما يحدث حولهم من تطور وحداثة وبناء للاوطان وتفاعل مع الدول والامم والحضارات الأخرى.

نعم كانت فرنسا ترغب في أن يظل المجتمع الموريتاني بعيدا عن كل مفاهيم الدولة الحديثة ، لكي تظل الموارد الاقتصادية الضخمة من الصمغ العربي للثروة السمكية والحديد الخ .. موارد مشاعة للنهب لاتخضع إلا لسلطة المستعمر يسرقها ليلا ونهارا

ولذا لا نتفاجئ إن تعثرت تنمية هذه البلاد التي استلمت استقلالها تحت الخيام وعقدت أو جلسة للحكومة تحت خيمة عربية عتيقة …

لقد بذل الرعيل الأول جهودا مضنية وتضحيات جسام لفرض وجود موريتانيا محليا وإقليميا ودوليا ، وكانت لعمري مهمة صعبة وخطيرة وحاسسة ولاتملك من أدوات ومقومات النجاح سوى الإرادة الجادة والعزيمة التي لا تلين.

لقد تمكن هؤلاء بقيادة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه طيب الله ثراه من فرض وجود موريتانيا تلك الدولة الناشئة ذات النمو المتسارع والحضور الدولي والاقليمي المشرف خلال خمسة عشر سنة فقط من إستقلالها او تأسيسها الحقيقي ، وسأترك الاستفاضة في هذا الموضوع للروائي الكبير موسى ولد أبنو عبر مقالته المنشورة في هذا العدد ..

 

بيد أنني ونحن نعيش أفراح الاستقلال الوطني أجدني كغيري مضطرا لطرح سؤال مزعج وهو هل ما حققته موريتانيا من تطور خلال ستة عقود يتناسب مع تطلعات مؤسسيها ، ومع مواردها الطبيعية ، ومع حجم التمويلات الخارجية التي حصلت عليها ؟

إنه للاسف السؤال الذي سيحول أفراحنا بذكرى الاستقلال إلى أحزان و أتراح .. السؤال الذي  ينبثق منه سؤال أخطر وهو هل ما نعيشه استقلال أم استغلال ؟

و رغم أنني لن أخوض في الجدل السياسي الذي يرى أن كل مأ انجزه الرئيس المؤسس طيب الله ثراه من أنجازات اسطورية في سياقيها الزماني والمادي ، نسفته جريرة حرب الصحراء بغض النظر عن مبررات ودواعي دخولها

، بل نسفت تلك الحرب النظام نفسه الذي أسس كيان وقيم الجمهورية تحت الخيام.

 

أما عندما ننظر لحصاد ما بعد حرب الصحراء، والاطاحة بنظام المختار ولد داداه، فإننا لا نحصد سوى خيبة الأمل، رغم ما حصل ويحصل من ومضات الأمل، وما شهدته البلاد من مشاريع تنموية عملاقة، وما تم استغلاله من الموارد الطبيعية للبلاد، و ما تم الحصول عليه من القروض من طرف مؤسسات التمويل الدولية ، رغم كل ذلك ما زلنا في موريتانيا نشهد طابور دكاكين الأمل الصباحي المذل لكرامة المواطن الموريتاني ، وما زلنا نصنف في ذيل قوائم الدول من حيث مؤشرات التنمية البشرية والسعادة والرفاه والصحة والتعليم.

 

ما زال أغلب ساستنا يؤمنون بأنفسهم وبقبائلهم وبجيوبهم أكثر من إيمانهم وقناعتهم بالدولة ، وما زالت الدولة لدى غالبية هؤلاء مجرد بقرة حلوب ، وما زلنا نعيش الغبن والظلم وغياب المسؤولية ، بل غياب وخز الضمير والألم لما تعيشه بلادنا من تخلف تنموي مخجل ناتج عن ما أقترفته أيادي المسؤولين غير المسؤولين من آثام الردح والعبث بموارد الدولة وهيبتها في الداخل والخارج.

 

دعونا فقط ننظر لحجم المسروقات التي تحدثت عنها لجنة التحقيق البرلمانية واقرتها جهات التحقيق القضائية خلال عشرية الفساد والضياع المنصرمة ، ناهيك عن حجم الدمار والتشويه الذي لحق سمعة وهيبة الدولة خلال تلك العشرية البائسة!!!

 

هل قدر هذا المنكب البرزخي أن يظل مرتهنا لثلة من المفسدين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية على حساب الدولة والشعب ؟

 

ولكي لا نفسد فرحة العيد بمنغصات دواهي وبلاوي المفسدين ، يجب التنوية أنه رغم قصور وتقصير النظام الحالي في كثير من المجالات ، إلا اننا نرى ضرورة تثمين المسحة الاخلاقية التي افتقدها مشهدنا السياسي منذ بعض الوقت ، كما لا تخلو الرؤية العامة للنظام الحالي من عمق استراتيجي  وصدق ومصداقية في التوجهات و”التعهدات”، لكن تجذر عقليات الفساد في نفوس وعقول أغلب المسؤولين أمر معيق ومدمر لكل مسارات التنمية ، فشرط النهايات تصحيح البدايات ، ولا شك أن مسار محاكمة رموز العشرية السوداء وتأكيد الرئيس على تشديد المحاسبة والرقابة على مسيري الشأن العام  أمر يبعث على الأمل وبه وحده سنقلع لآفاق رحبة ،  وبدون تطهير الأيادي والقلوب والبطون من المال العام لن تتأتى أي تنمية مستدامة في هذا الأرض ولن يكون هناك مستقبل منظور لهذا المنكب المنكوب بنخبه المتآمرة عليه.

 

المصدر : صحيفة الصدى الورقية الصادرة بتاريخ الاثنين 23 ربيع الثاني 1443هـ الموافق 29 نوفمبر 2021م