نحو تنمية قطب مصائد بدل المنطقة الحرة بانواذيبو / د. محمد ولد الراظي

لن تتمكن لجنة من إعطاء تقرير تقييمي علمي حول موضوع مهما كان في يومين إلا إذا كان المقصود عملية إخراج لقرار كان قد اتخذ……وسيكون من المفيد أن يكون قد أتخذ.

الحديث يتجدد حول جدوائية المنطقة الحرة بعد سنوات طوال من ضياع الجهد والمال و الأمل الذي قد يكون حدا البعض والمناسبة زيارة اللجنة الوزارية لمدينة نواذيبو بغية تقييم أدائها .

لماذا المنطقة الحرة أصلا ؟ كانت فكرة مرتجلة من بين أخوات لها كثر -منذ تولي العسكر مقاليد الحكم-هلل لها خبراء البلد وساسته  لمجرد أن القائد أعلن عنها…..لم يسأل أحد من المقربين ولا من الذين أوكلت إليهم المهمة المستحيلة كيف لهكذا مشروع أن يري النور ولا كيف يمكنه أن يكون ولا ما عساها تكون الآثار الناتجة عنه علي حياة الناس ورفاه المواطن في حاضره ومستقبله المنظور.

هذه الأسئلة الحائرة وغيرها ظلت تصك مسامع القائمين علي المشروع والخبراء المبتعثين من هيئات التمويل الدولية وظلت بلا جواب ليس لأن القوم لا يفهمون وليس لأنهم لا يعلمون بل لأن المشروع ولد ليكون وليبقي لأنه من ثمار عبقرية السلطان ولأنه أيضا مدر للدخل بالنسبة للخبراء الدوليين !!!!!!

المناطق الحرة ترف يراد له أن يزيد علي الثراء ثراء وأن يزيد من تنوع  وأسباب استحصال الثروة ولها كما لغيرها من المشاريع مبررات وجود وشروط تنفيذ وأهداف معلومة وآجال وقد تكون في حيز ضيق بمطار أو ميناء أو مخازن محددة وقد تكون في حيز جغرافي أكبر حسب المقاصد منها والإستثمارات  المتوقعة بها.

بدأت منطقتنا الحرة عرجاء في بعدها المؤسسي والإداري مشوشة فاتسعت جغرافيتها لعشرات الكيلومترات في صحراء لا حياة بها ولا إنشاء وأريد لها أن تكون تابعة لرئاسة الجمهورية…..فكانت…. في حين أن المنطقة المحددة لها جزء صغير من حدود ولاية كاملة تحت إمرة والي تابع في اختصاصاته لوزير الداخلية.

تداخلت الإختصاصات والمسؤوليات مما نتج عنه تعكير العلاقة الوظيفية بين رئيس السلطة من جهة والسلطات الإدارية بالولاية والمنتخبين وهو ما سيشوش علي المستثمرين -علي قلتهم-  وسيخلق من أسباب الشك والريب أكثر بكثير مما سيوفر من دواعي الثقة والإطمئنان.

ما الذي سيقنع أصحاب الرساميل الأجنبية للإستثمار في نواذيبو !!!!!!

أهو مناخ الإستثمار الواعد أم هو الإستقرار السياسي أو القضاء المستقل القادر علي حماية الإستثمار؟

أهي الأسواق الواعدة من حيث عدد المستهلكين ومن حيث قدرتهم الشرائية؟

أهي شبكة الطرق العصرية التي ستمكن من النقل الآمن للمنتجات الي الأسواق ؟

أم هي اليد العاملة المتخصصة والماهرة وقليلة الكلفة ؟

ما الذي يدفع بالمستثمرين الأجانب للتعريض بأموالهم وضخها في بلد ما زال البيان رقم واحد هو الطريق الضامن للوصول للسلطة  فيه وما هي الضمانات التي يمكن أن تشجع أصحاب الأموال للإستثمار في بلد مازال القضاء بيد أصحاب السلطة ولو بطريقة غير مباشرة !!!!!!

 ثم هل يعقل أصلا أن يتنازل بلد عن جزء من سيادته الجبائية وهو  ما زال يحتاج العون من وراء الحدود صدقات وهبات لمواجهة النقص في الغذاء و معالجة اختلالات بنيوية في منظومته التعليمية والصحية والخدمية !!!!!

كانت المنطقة الحرة فكرة مرتجلة وبالتالي لا يتوقع لها أثر إيجابي إلا صدفة إذ لا يستمر إلا ما كان علي أسس صلبة.

تهافت بعض المستثمرين -أساسا في مجال صناعة دقيق الأسماك-  ويبدو أنهم قد غرر بهم شركاؤكم وزينوا لهم ذاك المشروع وما إن وصلوا حتي بدأت لعنات الارتجال تلاحقهم في كل خطوة يخطونها.

وجد جلهم نفسه تحت سلطة جبائية مزدوجة هنا المنطقة الحرة وهناك إدارات الضرائب التي ظلت لوقت قريب لا تعترف بالإعفاءات المترتبة عن امتلاك رخص المنطقة الحرة.

رخصت المنطقة الحرة لفوضي عارمة في القطاع حيث انتشرت الموانئ الخاصة مع كل ما يعني ذلك من أضرار لموانئ المدينة وما قد ينتج عنه من اختلالات أمنية كبيرة بغياب الرقيب الرسمي علي الحركة هناك.

ثم إن المنطقة الحرة التي يراد لها أن ترسم سياسات في مجال قطاع الصيد وترخص لهذا ولذاك  لا تدري كثيرا عن تلك المخزونات ولا عن وضعها البيئي ولا عن تنوعها حيث يدخل ذلك في اختصاص وزارة الصيد وعلي عموم المنطقة الإقتصادية الحصرية ZEE كما أنها هي وحدها من يملك الإمكانيات العلمية والبحثية لصياغة نماذج الإستغلال الأمثل لهذه الثروة….

خلاصة القول أن فكرة المنطقة الحرة لها من أسباب الفشل الكثير……. وبالتالي سيكون من الضروري تحويلها الي مشروع قطب تنموي بشروط جبائية مخففة يكون هدفه دمج قطاع الصيد  في الإقتصاد الوطني.

إن أية مراجعة لفكرة المنطقة الحرة ينبغي أن تسعي إلي بناء نموذج تنموي مستديم في قطاع الصيد يحل محلها ويرتكز علي الصيد السطحي إنتاجا وتحويلا .

وعلي الدولة أن تستفيد مما قد يكون عائدا كبيرا من الثروة الغازية – رخص استغلال وعائدات لاحقة- من أجل تحرير الميزانية من الإرتهان لعائدات الإتفاقيات في مجال قطاع الصيد.

حينها سيكون بالإمكان وضع سياسات دمج قطاع الصيد بطريقة أكثر نجاعة لأنها ستكون في أجواء أقل وطأة مما كانت عليه.

كما ينبغي إذ ذاك تخفيف الضغط علي مصائد الأعماق خشية انقراضها. 

ينبغي لهذا النموذج التنموي أن يركز علي توطين إنتاج الصيد السطحي وتحسين شروط انتاج دقيق الأسماك كما سيكون من الضروري الإلتفات لدراسة إمكانية استغلال مخزون المحار الذي ما زال بكرا.    

توطين إنتاج الصيد السطحي:

 

سنترك جانبا آثار توطين الصيد السطحي علي مؤشري  الإقتصاد الكلي الآخرين كنمو الناتج الداخلي الخام ونسبة التضخم  لغياب دراسات إحصائية في هذا المجال وسنركز علي آثاره علي مستوي امتصاص البطالة  إذ التشغيل يظل الهدف الأسمى لكل سياسات التنمية وهو العنوان الأصدق لتوزيع الثروة كما وأنه ركن أساس للتنمية البشرية وشرط لرفاه المواطن و المؤشر الثالث الأهم من مؤشرات الإقتصاد الكلي.  

من اللافت والمثير في آن أن جارنا الشمالي و جارنا الجنوبي اللذين نتقاسم معهما نفس الخصائص الإيكولوجية البحرية يتقدمان علينا بكثير في دمج المصائد في النسيج الإقتصادي لكليهما.

تنتج المصائد المغربية أكثر من ثلاثة ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بإنتاج أقل مما تخرج الأساطيل الأجنبية من مياهنا في حين ينتج قطاع الصيد في السنغال أكثر من ستمائة ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بإنتاج لا يتجاوز الأربعين في المائة من إنتاجنا الوطني.

أما هنا فلم تتمكن كل السياسات القطاعية منذ السياسة الجديدة للصيد عام 79 وحتي اليوم من خلق أكثر من ستين ألف فرصة عمل !!!!!!

وظلت القيمة المضافة بفعل غياب الصناعات التحويلية ضئيلة جدا إن لم تكن معدومة.

وكانت صناعات دقيق السمك كما المنطقة الحرة فكرة مرتجلة هي الأخري ولم تراع فيها الضوابط الضامنة لإستغلال أمثل للمخزون السمكي السطحي المهاجر.

كان الأولي بالقائمين علي الشأن العام دراسة جدوائية إنشاء قطب جاذب للإستثمارات في قطاع الصيد بمدينة نواذيبو بدل مشروع المنطقة الحرة.

لا تملك موريتانيا ميزة تفاضلية تذكر إلا في مجال الثروة السمكية وهي ثروة لا غني للأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية عنها.

ولئن كانت مصائد الأعماق تشكو بالنسبة للكثير من الأنواع من اعتلال صحتها الإيكولوجية إذ هي ما بين أنواع وصلت درجة  الخشية من الإنقراض و أخري لامست درجة الإ ستغلال المفرط فإن السمك السطحي ما زال بصحة جيدة وبإمكان مخزوناته إنتاج ما يقارب المليون ومائتي ألف طن سنويا بصورة مستديمة.

لو أن السلطات أنشأت ميناء كبيرا بغاطس يربو علي ٩ أمتار سيكون بإمكانها أن تلزم بواخر الصيد العملاقة بتفريغ شحناتها بانواذيبو مما سيخلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشر وغير المباشر لعمال الموانئ وسيكون لذلك آثار كبيرة علي الاستقرار المجتمعي  حيث إن غالبية هؤلاء ينحدرون من الأوساط الأكثر فقرا في البلاد.

سيمكن ذلك أيضا من  زيادة كبيرة في عائدات الموانئ من خلال دفع الرسوم المينائية جيئة وذهابا وسيفيد بشكل كبير  شركات القطر البحري (remorquage) حيث  لا بد لكل سفينة قادمة الي الميناء أو خارجة منه من قطر وسيساعد توطين هذه المنتجات في نمو قطاع الشحن البحري بالحاويات وتطوير منصات تخزين حاويات التبريد.

من جهة أخري ينبغي التوجه لبناء مخازن تبريد كبيرة في الميناء لإستقبال المنتجات وتخزينها مما سيمكن السفن من كسب الوقت و العودة الي مناطق الصيد  دون تأخير.

ستكون هذه المخازن قبلة للمشترين وستمكن المنتجين من تحسين شروط البيع عكس ما كان عليه الحال إذ كان المنتج يضطر لبيع منتوجه لأول عرض من أجل عودة الباخرة لرحلة صيد أخري .

ونظرا لحاجة الشركاء الأجانب لهذه المنتجات فسيكون من الضروري مراجعة الإتفاقيات لغرض تحسين شروط ولوج السفن الأجنبية للمخزون السمكي الوطني وذلك من خلال زيادة عدد البحارة  المراقبين علي متن هذه السفن بل ومطالبة الشركاء بإنشاء شركات مختلطة مع القطاع الخاص الوطني تقوم ببناء مصانع لمعالجة وتحويل وتخزين هذه المنتجات علي الأرض مما سيزيد من القيمة المضافة المحلية وسيمكن من نقل التكنولوجيا المتطورة في هذا المجال الحيوي.

أما الخطوة الأخري فستكون إلغاء كل المراسي الخاصة التي أصبحت تنافس الميناء منافسة قوية بل وقاتلة  حيث تستقبل مئات السفن لتفريغ حمولتها بالإضافة الي ما قد تسبب من عواقب خطيرة حيث لا رقيب علي الحركة  منها ولا إليها.

 

مصانع دقيق السمك :

 

تمثل صناعة دقيق السمك خطرا إيكولوجيا كبيرا حيث يتم طحن 3 الي 5 أطنان من الأسماك لإستحصال طن واحد من الدقيق ومن المعلوم أن هذه الأسماك تلعب دورا كبيرا في السلسلة الغذائية (chaine trophique) للكثير من أنواع السمك مما قد يعرض وجود هذه للخطر.

ولكن يبقي أن الكثير من تلك الأنواع مهاجرة ولا تدخل في العادات الغذائية للإنسان مما يجعل من الضروري الإستفادة منها في هذه الصناعات.

ويزداد الطلب العالمي علي دقيق السمك الذي يستخدم في أحواض الإستزراع السمكي نظرا لنضوب الكثير من المصائد العالمية وللطلب المتزايد علي البروتينات الحيوانية.

سيكون من الضروري القيام بدراسات علمية متأنية بعيدة عن تدخل السلطة السياسية والإعتماد علي نتائجها في بلورة سياسية تحويلية للمنتوج السمكي تكون ذات مردودية اقتصادية واجتماعية مستديمة.

تملك بلادنا مخزونات هائلة من المحار (Praires bivalves ) ما زالت بكرا وتقدر قدرتها الإنتاجية المستديمة بثلاثمائة ألف طن سنويا.

وقد آن الأوان للإلتفات نحو هذه المخزونات لإستغلالها.