نحو «كلمة سواء» بيننا / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

ندخل حلبات السياسة والاقتصاد والثقافة محملين بمواقف مسبقة، نَتَمَتْرَسُ خلفها، في محاولة ـ غير واعدة، ولا واعية أحياناً ـ لإظهار قناعات عمّقتها خيارات أيديولوجية واهية، أو كرّستها قاعدة «الاقتداء بالسابقين»، خاصة إذا وافقت أهواءنا ـ فتنة وقتلاً أو سلماً وهميّاً لا يشترط جنوح العدو له ـ مع أن من نستجد بميراثهم، مع أنهم أمة خلت.

 

والمحزن هنا، أن الأمر لا يقف عند ذلك الحد بل يتجاوزه إلى تحويل عقلانية وعاطفية وتصور «الإيمان» إلى عصبية.. عندها تتحول أقوالنا وأفعالنا إلى ثوابت، حتى إذا تغيرت الظروف هجرناها إلى حيث الفضاءات المغلقة لأطروحات جديدة، في كثير من الأحيان غير واقعية، بل قد تكون أسوأ من سابقاتها.

 

وفي رحلتي الثبات والتغير ـ بغض النظر عن صدقيّتهما، وما يخفيان، وما يدفع إليهما ـ ننسى أنهما نتاج الفعل البشري، ما يعني ضرورة إفراغهما من محتوى «الصلاحية الدائمة»، و«التقديس الأبدي»، مع ترجيح حال التغير ليس فقط لاستحالة ديمومة الحال، وإنما لأن الثبات يخص الله وحده، وتحت أحكامه وقوانينه يتحرك البشر.

 

والشعور الوهمي الذي ينتابُنا خلال كل فعل نقوم به أنه الصواب وما عداه من اجتهادات وأفعال الآخرين خطأ، فيه نوع من الغرور الذي ينتهي بنا إما أن نكون تحت قاعدة «من اتّخذ إلهه هواه»، أو الرافض لنداء «تعالوا إلى كلمة سواء».

 

وإذا كان اتباع الهوى تتحكم فيه القناعات والرؤى، والاختلاف، والاجتهادات لجهة القبول أو الرفض او حتى التسفيه، فإن الاحتكام إلى «كلمة سواء» يمثل مدخلاً عملياً للتغيير، إذا أردنا أن نُسْهِم بحلول واقعية لمشكلاتنا الفردية والجماعية والقومية والأممية.

 

قد يسأل سائل: أليست قاعدة «الذهاب إلى كلمة سواء» قد حسمت بإيماننا بالله سبحانه وتعالى، وما تبعها من شروط الإيمان، كما أنها في الأصل تخص حوارنا مع أهل الكتاب.. فما الحاجة إليها اليوم؟

 

هو محق في ذلك، وخاصة أن سؤاله يحمل ضمنياً إجابة دالة وقاطعة، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية حوارنا أو جدالنا مع الآخرين، فنحن معهم «أكثر شورى»، و«أكبر ديمقراطية»، و«منّا سمَّاعون لهم»، وعندهم «نبتغي العزة»، لذلك فإن أقصى ما نريده اليوم هو إعادة طرح «كلمة سواء» بيننا، بدل الدخول في حروب الفتنة قولاً وعملاً وعلى نطاق واسع، خاصة في المجال السياسي، وحول قضايانا الكبرى، وأهمها فلسطين.