نظام التجنيد وتطوره عبر العصور / بقلم : الدكتور خالد محمود عبد اللطيف

الدكتور خالد محمود عبد اللطيف / كاتب ومفكر عربي – المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا- والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة – رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

في القرون الأولى: في العهد الفرعوني، واليوناني، والروماني، والفارسي، والإسلامي، حتى انقراض جند الانكشارية في العهد العثماني.

  • نظام التجنيد في فرنسا.
  • محاضرة كان ألقاها معالي الأستاذ العلامة السيد شاكر الحنبلي على طلاب السنة الثالثة في معهد الحقوق العربي عام 1936 ننشرها بمناسبة إقبال البلاد على التجنيد الإجباري.

1- التجنيد في عهد الفراعنة واليونان والرومان والفرس:

في الأدوار القديمة قبل أن يدخل الناس في أوضاع مدنية، كانوا زمرًا متفرقة من القبائل، وكان جند كل قبيلة مؤلفًا من جميع أفرادها، فإذا ما دعاهم داعي الغزو وشن الغارة، قاموا برئاسة شيوخهم، فيهاجمون العدو غير متبعين في ذلك نظامًا، ولا خاضعين إلى قانون، فإذا ما وضعت الحرب أوزارها، أكبوا على اقتسام الغنائم كل حسب قوته وبلائه؛ إذ لم يكن إذ ذاك فئة خاصة تسمى «جندًا» للدفاع عن القبيلة.

إلا أنه عندما بدأ الناس يتحضرون، ويدخلون في أوضاع مدنية واجتماعية، أخذوا يؤلفون كُتَلاً خاصة من الأفراد للدفاع عن البلاد، ويضعون لها من الأنظمة والقوانين ما يرونه كافلاً لجمعها وتنظيمها، وكان الفراعنة هم السابقون إلى تحقيق هذه الفكرة، فقد قيل: إن أول من جنَّد الجنود وعسكر المعسكرات «رمسيس الثاني»، فقد كان مولعًا بالحروب والغزوات؛ مما بعثه أن يجند جنودًا من الأحباش وجنودًا من السودان لإخضاع الأقوام القاطنين في سواحل البحر الأحمر، وقد رتب جنوده على شكل صفوف متراصة جهزها بالأسلحة التي كانت معهودة في عصره، وتمكن بذلك من إخضاع هؤلاء الأقوام والتغلب عليهم.

وقد اقتبس عن الفراعنة أصول الصفوف المتراصة بقية الأمم التي كانت موجودة في ذلك العهد القديم، فكانت التنظيمات الجندية فيها تُشابه نظامَ الجنود المصرية، إلا أن الأمة اليونانية أدخلت على جنودها تنظيمًا جديدًا، فأحدثت الكتائب، كل كتيبة من أربعة آلاف جندي، وفي عهد ملكها «فيليب» بلغ هذا العدد ضعفيه، وفي عهد الإسكندر الكبير بلغ أربعة أضعافه، وقد أحدث الإسكندر عدا ذلك كتائب من الفرسان، وجهزها برماح مختلفة الطول، فجعل رماح الصف الثاني أطول من رماح الصف الأول، وهكذا؛ بحيث أصبح طول رماح الصف الخامس (وهو الأخير) يتجاوز طول رماح الصف الأول ثلاثة أقدام، وذلك ليتمكن الفرسان من إحكام الدفاع، ثم جهزهم بالمنجنيق أيضًا، وبفضل هذا التنظيم المكين والأسلوب القويم، تمكن من اكتساح العالم في مدة وجيزة.

أما الرومان فقد أدخلوا على الجندية جملة إصلاحات أخرى، منها أنهم قسموا الجيش إلى فرق، كل فرقة مؤلفة من ثلاث طبقات: الأولى طبقة الشبان، والثانية طبقة الكهول، والثالثة طبقة أرباب الحنكة والتدريب، وهم الشيوخ، ثم قسموا الفرق إلى كراديس بدون تقيُّد بالصف، فجعلوا الفرقة عشرة كراديس، والكردوس ثلاثة أقسام، وكل قسم فصيلتين، عدد أفراد كل منها مائة رجل.

ولما بزغ فجر الدولة الإسلامية، كان عدد جنود الرومان مائة وعشرين ألفًا، على رأس كل عشرة آلاف قائد يسمى «بطريقًا»، وتحت كل «بطريق» «طومرخان» يتولى قيادة خمسة آلاف جندي، وتحت كل «طومرخان» خمسة «طونجارية» يقود كل واحد ألف جندي وتحته خمسة «قوامس» يتولى كل منهم قيادة مائتي جندي، وتحت «القومس» «قمطرخ»، وتحت هذا «الدامرخ»، وهذا تحته عشرة جنود، فأنت ترى في هذا النظام ما يشبه نظام الجنود لدى الدول الأوربية الحاضرة.

وأما الجند عند الفرس، فقد كانوا أربع طبقات: (الأولى) طبقة القواد، ويسمى واحدهم «مير ميران»، وتحته أربعة قواد يطلق على كل منهم «آصفبهد»، وتحت كل من هؤلاء أربعة «مرازيه»، وتحت كل «مرزيان» أربعة «سالاريه»، وتحت كل سالار عشرة «أساورة» وهم الفرسان، وخمسة «بيادة» وهم المشاة.

2- التجنيد في زمن العرب والإسلام:

كان العرب قبل الإسلام كسائر القبائل في القرون القديمة، عبارة عن قبائل بدوية تجتمع برئاسة شيوخها، ويغزو بعضها بعضًا بأسلحتها المعروفة، وهي السيف والسنان والنبل.

فلما أشرقت شمس الإسلام على جزيرتهم العربية، بدؤوا ينتظمون تحت لواء الجامعة الإسلامية؛ فكانوا بادئ الأمر كلهم جندًا خاضعين لقيادة النبي عليه الصلاة والسلام، الذي جمعهم تحت لواء الأخوة الإسلامية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10].

وكانوا يقاتلون صفوفًا كصفوف الصلاة؛ عملًا بالآية الكريمة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4]، وعملًا بالحديث الشريف: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا)).

وهذا الطراز شبيه بطراز اليونان والرومان، ولم تكن القبائل العربية لتعهده قبل إسلامها، وقد تمكنت الجيوش العربية – بقوة الوحدة الإسلامية، وبفضل هذا النظام العسكري – من اكتساح جزء عظيم من الكرة الأرضية، في مدة لا تتجاوز ثلاثين سنة كما هو معروف.

وبعد انقضاء عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، انقسم الجيش الإسلامي إلى أجناد، عسكر بعضها في مصر، وبعضها في الشام، وبعضها في العراق في محال خاصة، وقد قسم كل جند إلى أقسام متعددة بحسب القبائل التي ينسب إليها، فجند البصرة مثلًا كان ينقسم إلى خمسة أقسام تسمى الأخماس؛ لأن عسكره منتسبون إلى خمس قبائل، وهم: الأزد، وتميم، وبكر، وعبدالقيس، وأهل العالية، وكان على كل خميس أمير، ولم يكن لهذه الأجناد من عمل سوى التجهز للحرب إذا دعا داعيها، فلما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن بعض الجنود بدأ يميل إلى الفلاحة، فخشي أن يتقاعس الجند عن أداء فريضة الجهاد، فأرسل مناديًا من وراء الأجناد يخبرهم بأن أعطيات الجند وأرزاق أسرهم واصلة إليهم، فليتركوا ما انصرفوا إليه من فلاحة وزراعة، وبهذه الصورة أصدر عمر أمره بمنعهم من الاشتغال بغير ما انقطعوا إليه، خشية أن يتقاعسوا إذا ما دعاهم لمعاونة إخوانهم المجاهدين.

فأول من رتب الجنود كفئة خاصة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك عندما أدخل أصول الديوان في نُظُمه الإدارية، والديوان عبارة عن تسجيل أسماء الجنود في دفاتر خاصة، فكانت أسماء الجنود تسجل في هذه الدفاتر، كل باسم قبيلته التي إليها انتماؤه، فكان لا بد من كتابة اسم الجندي وقبيلته ومرتبه وسائر أوصافه بصورة منظمة واضحة، إلا أن هذه التنظيمات العمرية لا تسوغ لنا بالرغم من ذلك أن نعتبرها كتجنيد مرتب يجعل من المسلمين جندًا خاصًّا؛ لأن كل فرد من المسلمين كان إذ ذاك جنديًّا، فعندما يدعو داعي الجهاد، ينضم المسلمين جميعهم تحت لواء الجامعة الإسلامية، فيتحاربون عن عقيدة وإيمان، إذًا فمتى تم ترتيب الجند النظامي في الدولة الإسلامية؟

يمكننا القول: إن ذلك قد تم في عهد الأمويين، وإيضاحه أن فتنة عثمان فرقت المسلمين شيعًا وأحزابًا، إلى أن انتهى الأمر بانتصار الأمويين، فعصفت في عهدهم قوة الأحزاب المعارضة، ولم يعد أحد يجرؤ على القيام في وجهها، فهدأ الناس وخضعوا لها على مضض، وأخذوا يتقاعدون عن الحرب في صفها، «فلا يرحلون برحيل أمير المؤمنين، ولا ينـزلون بنـزوله»، إلا أن معاوية بن أبي سفيان لما أنس منهم هذا التقاعس والقعود، بدأ يستعملهم بدهائه وجوده، فقدر على استجلابهم إليه؛ مما مكنه أن يجعلهم يرحلون برحيله وينزلون حيث شاء وأراد.

مات معاوية وخلفه ابنه يزيد، ومن بعده معاوية الثاني ومروان بن الحكم، فلم يكن فيهم ما في معاوية من جود ودهاء، فعاد الناس سيرتهم الأولى من التقاعس عن الحرب، وإهمال فرض الجهاد، ولما تسلم عبدالملك زمام الخلافة، رأى الناس على حالتهم هذه، فشكا الأمر إلى صاحب شرطته «روح بن زنباع»، فقال له: «يا أمير المؤمنين، إن في شرطتي رجلًا إن وليته أمر الجيش أرحله برحيلك وأنـزله بنـزولك، يقال له: الحجاج بن يوسف الثقفي»، ففعل عبدالملك، وأمَّر الحجاج على الجيش، فهابه الجند وأصبحوا «يرحلون برحيل أمير المؤمنين وينـزلون بنـزوله»، عدا جند روح بن زنباع، فقد كانوا يتقاعسون عن ذلك حتى مر الحجاج بهم مرة، فوجدهم على طعام مجتمعين، فقال لهم: «ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين وقد رحل جيشه؟»، فأجابوه قائلين: «انـزل يا ابن اللخناء[1] وكُلْ معنا»، وهذا كلام حملهم على التفوه به الإدلال وعدم الكلفة مع الحجاج رفيقهم بالأمس، فلم يطق الحجاج تحمُّله، فقال لهم: «هيهات، ذهب ما هنالك»، وأمَر بهم، فشُدُّوا وجُلِدوا بالسياط، وطوَّقهم بالعسكر، وأمر بفسطاط روح بن زنباع، فأحرِق بالنار، فدخل روح بن زنباع على عبدالملك ابن مروان باكيًا، وقال له: «يا أمير المؤمنين، إن الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان في عديد شرطتي، ضرب عبيدي، وأحرق فساطيطي، قال: «عليّ به»، فلما دخل عليه، قال له: «ما حملك على ما فعلت؟»، فقال: «ما أنا فعلته يا أمير المؤمنين!»، قال: «ومن فعله؟»، قال: «أنت والله فعلته، إنما يدي يدك، وسوطي سوطك، وهؤلاء تقاعسوا عن رحيلك…..، وما على أمير المؤمنين إلا أن يعوض على روح بن زنباع العبد بعبدين والفسطاط بفسطاطين، ولا يكسرني فيما قدمني له»، ففعل الخليفة، ومنذ هذه الحادثة بدأ شأن الحجاج يعلو ونجمه يلمع، حتى عُيِّن على العراق واليًا وأميرًا، وكان من أمره ما كان!

إن هذه الحادثة التاريخية يمكن اعتبارها مبدأً للتجنيد الإجباري عند المسلمين؛ لأنه منذ ذاك الحين قد أصبح الجنود يرحلون برحيل القائد العسكري وينزلون بنزوله.

أما في عهد العباسيين، فقد اختلفت الحال عما كانت عليه؛ إذ أصبح معولهم في الخلافة على معاونة العراقيين، وعلى الخصوص منهم أهل خراسان، فاضطروا أن يستخدموا هؤلاء في الجيوش الإسلامية؛ لأنهم هم الذين وطَّدوا أركان الدولة العباسية، وهكذا بعد أن كان الجنود أيام الأمويين عربًا كلهم، أصبحوا في عهد العباسيين مزيجًا من العرب والعجم، وكان الجند في عهد المنصور ثلاث فرق: اليمنية والمضرية، والخراسانية، ثم أُضيفت فرقة رابعة، وهي «فرقة الحرس»؛ لتحافظ عليه من غدر أعدائه، وعلى هذه الصورة دخلت العناصر غير العربية في الجيش الإسلامي.

وفي عهد المعتصم تغلبت العناصر غير العربية، وزاد نفوذها، وبدأ نفور العرب من خلفائهم، وكانوا يعبرون بالجند يومئذ عن الأتراك وغيرهم من الأعاجم، وبالحربية عن جند العرب، وكلهم مشاة، ولما تمكنت هذه العناصر الأجنبية من الدولة، خاف المعتصم على نفسه، فألَّف فرقة من المصريين سماها فرقة «المغاربة»، ثم فرقة من أتراك أهالي «أشروسنة»، و«سمرقند»، و«فرغانة»، ابتاعهم من الأسواق وسماهم جند «الفراعنة»، ثم «الأتراك»، وكانوا أشد خطرًا على الدولة العباسية من سائر فرق الجند، وآل الأمر بهم إلى الاستبداد في أهل الدولة واحتقار الجند العربي، وإساءة سائر أهالي بغداد، حتى بلغ الأمر بهم أن كانوا يركبون خيولهم في شوارعها، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي، فتأذى الناس، وشكوا أمرهم إلى المعتصم، فلم يسعه إلا أن بنى لهم مدينة «سُرَّ مَن رأى»، وأقام فيها معهم!

ثم أحدث العباسيون فرقًا أخرى؛ كفرقة «الشاكرية»، و«السعدية»، و«البلالية»، وغيرها، وكلها من العنصر التركي، حتى سيطرت على مقام الخلافة الإسلامية، وجعلتها عبارة عن هيكل لا حول له ولا قوة، فأورثت المسلمين تلك النكبات المشهورة في التاريخ، وكانت من جملة العوامل التي أدت إلى انقراض الدولة العباسية.

3- التجنيد عند العثمانيين، وتشكيل الانكشارية:

لما كان قيام الدولة العثمانية على أنقاض الدولة السلجوقية، كان نظام الجند عند العثمانيين كنظام جند السلاجقة، إلا أنه في عهد السلطان «أورخان» رأوا الحاجة ماسة إلى جند منظم دائم بعيد عن العصبية، فأسسوا جند الانكشارية بإشارة «جندره لي قرة خليل» أحد رجال الدولة المحنكين، وأساس نظام هذا الجند أن يجمع أولاد النصارى الذين مات آباؤهم في الحروب أثناء الفتح وبقوا بلا معين، ويربوا تربية إسلامية، ويُمَرَّنُوا على الأعمال العسكرية، وقد سُمِّي هذا النظام نظام اللقطاء «دوشرمه»، وكان عددهم في بادئ الأمر ألفًا، ثم بلغوا مائة ألف، وكان (أورخان) يرمي من تأليف الجيش على هذا النمط إلى أمور ثلاثة: (أولًا): الاستفادة من المغلوب، (ثانيًا): عدم إفناء العنصر الإسلامي في الحروب، (ثالثًا): إيجاد جيش منظم دائم خال من العصبيات؛ لأن هؤلاء الجنود الذين نشؤوا في حجر الدولة على تربية إسلامية لا يعرفون عصبية غير الدولة، ولا عملًا غير الجندية، ولا دينًا غير الإسلام.

وبعد أن انتهى «قره خليل» من تجنيدهم، سار بهم «أورخان» إلى «أماسيه»؛ حيث يقطن الحاج «بكداش» مؤسس الطريقة البكداشية، فدعا لهم وسماهم «بني تشاري»؛ أي: «الجند الجديد»، ومنذ هذه الحادثة أصبح الجند منتسبًا إلى الحاج بكداش، ومتمسكًا بالمبادئ الإسلامية محافظًا عليها.

رتب السلطان أورخان هذا الجند على نمط جيوش البلدان الأخرى، فقسمهم إلى أقسام وفرق «وجاقات»، وسُمِّي الرئيس «آغا»، ومن دونه «سكبان باشي»، ومن دونه «فول كخيا»، ومن دونه «صامصو بخي باشي»، وهكذا إلى أن تنتهي الرتب «بالأفندي»، وهو عبارة عن كاتب بسيط.

وقد وضع لهم نظامًا متينًا، كان هو السر في اكتساح الدولة العثمانية وأوروبا وبلوغها أسوار «فيينا»، ومن مقتضى هذا النظام أن يكون النفر منقطعًا للجندية، ممنوعًا من تعاطي أي عمل آخر، وفي أيام فراغه يشتغل بالتمرينات الرياضية والعسكرية، ومن مقتضاه أيضًا ألا ينفك الجند عن ثكناتهم، وأن يكونوا متضامنين متحدين، مطيعين لقوادهم طاعة عمياءَ، وليس للجندي أن يرسل لحيته ولا يتأهل أصلاً، كما أن معاقبة الجنود غير جائزة إلا من قِبَل ضُبَّاطهم الأعلين، وإذا عجز جندي عن القيام بوظيفته أُحيل على التقاعد.

على هذه الصورة كان نظام «اليني تشاري» من أحسن النظم العسكرية، لذا رأيناه أكبر عامل في توسع سلطان الدولة العثمانية وازدياد فتوحها وممتلكاتها، إلا أنه في آخر الأمر طرأ عليه الفساد وسوء الاستعمال، وفقدت الطاعة (التي هي روح الجندية)، وصار الانكشارية يعزلون وينصبون السلاطين والوزراء ويقتلونهم، وانقلب هذا الجيش إلى أداة ضارة مخربة، كانت سببًا لضعف الدولة واندحارها أمام أعدائها، وهكذا فإن «الانكشارية» الذين كانوا سبب اعتلاء الدولة، أصبحوا علة تقهقرها وانحطاطها؛ مما اضطر السلطان «محمود» أن يلغي هذا الجند لينقذ الدولة من خطره وشره، فألغاه وقتل جنوده بعد معارك دامية استمرت أيامًا في شوارع الأستانة، وأسس الجنود النظامية الحديثة، مقتبسًا نظامها من القانون الفرنسي، وهو مؤسس على التجنيد بالقرعة، والبدل الشخصي، والبدل النقدي.

فإذا نحن ذكرنا لمحة تاريخية عن التجنيد في فرانسة، نكون قد أوضحنا طريقة التجنيد عند العثمانيين.

4- لمحة تاريخية عن التجنيد في فرنسا:

تطورت الأحكام القانونية المتعلقة بالتجنيد في فرنسا تطورًا مستمرًّا، فبعد أن تقرر أساس اشتراك المواطنين بالدفاع عن الوطن بموجب قانون سنة (1793)، طبق هذا القانون على صور مختلفة، ففي السنة السادسة أقروا طريقة التجنيد بالقرعة، والبدل النقدي، والشخصي، وظلت هذه الطريقة مرعية حتى سنة 1872، وكانت مدة الخدمة وقتئذ خمس سنوات، ومنذ سنة 1872حتى سنة 1889 صار التجنيد الفعلي إجباريًّا للجميع؛ أي: إنه أُلغي البدل الشخصي، وكانت القرعة واسطة لتعيين من يجب أن يخدموا في الجندية المدة القانونية، وكان معين العائلة والمعلم والمنسوب لصنف الكهنة، مستثنى من الخدمة العسكرية، وعدا ذلك فإن التحصيل في درجة معينة، ودفع بدل معين يستلزمان الاستثناء من الخدمة العسكرية أيضًا، ثم في سنة 1889 ألغيت الاستثناءات وصار كل وطني مكلفًا بالخدمة العسكرية، أما معينو العائلة، والذين يبرزون شهادة تحصيل من درجة معينة، فكانوا تابعين لخدمة مقصورة قدرها سنتان، ثم أُنزلت بقانون سنة 1905 مدة الخدمة العسكرية إلى سنتين، وألغيت كافة الاستثناءات الموجودة، ثم وصلت مدة الخدمة بقانون سنة 1913 إلى ثلاث سنوات، وأخيرًا جعل جميع المواطنين متساويين في الخدمة العسكرية، غير أن المدة الفعلية بلغت ثمانية عشر شهرًا، ثم خُفِّضت إلى سنة واحدة، وقد نصت المادة الأولى من قانون التجنيد على أن كل وطني فرنسي مجبر على الخدمة في الجيش شخصيًّا، ومجموع الخدمة للجميع ثمانية وعشرون سنة، منها سنة بالخدمة الفعلية، وثلاث سنوات في الإجازة (Disponibite)، وستة عشر سنة في الصنف الأول الاحتياطي، وثمان سنوات في الصنف الثاني الاحتياطي، ولا يمكن الاستثناء إلا لعلة بدنية، على أن هؤلاء أيضًا يمكن دعوتهم أثناء الحرب للاستخدام في خدمات إدارية واقتصادية في السلك الملكي.