نهاية التقييم وأوان التقويم (الجزء الأول) / د.سالم فال ابحيده

منذ أغسطس 2019 دخلت البلاد بسلاسة في مرحلة مباينة لما كانت تعيشه منذ أزيد من عشر سنين غلب عليها الهدوء والتواصل، وطبعها التفاعل الايجابي بين كافة أفرقاء السياسة وفاعلي المجتمع المدني من جهة، والسلطة القائمة من جهة أخرى..

وصاحب هذه الفترة وخاصة في بدايتها قدر كبير من الأمل في تحقيق تنمية مستدامة وتأسيس لعهد مدني يشجَّع فيه المحسن ويُبعد المسيء ويحاصر فيه الفساد والمفسدون..

فقد تم نشر تقارير محكمة الحسابات نهاية 2019 وبدأ النواب معارضة وموالاة في التحضير للتحقيق في ما شاب “العشرية” من فساد، وما صاحب المشاريع التي نفذت فيها من هدر للموارد؛ فتم تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية نهاية يناير 2020 لتتولى التحقيق في فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز و لا يزال المسار متواصلا لحد كتابة هذه الأسطر، وبعد وصول موجة جائحة كوفيد-19 بلادنا منتصف مارس من العام الماضي تحدث الرئيس أمام الصحافة: 18/03/2020 عن الاستعداد والإعداد لمواجهة الوباء، ثم خاطب الأمة: 25/03/2020 واضعا شبكة أمان للبلاد صحيا واجتماعيا، ومستبقا تداعيات الجائحة على الفئات الأكثر ضعفا – رغم كثرتهم- بحزمة من المساعدات – رغم يسرها-، وكان لتوزيع بطاقات التأمين الصحي المجاني على أكثر من مائة ألف مواطن في: 28/5/2021 دوره الكبير في بث روح من التفاؤل والأمل في ما هو قادم..، هذا قليل من كثير يذكر فيشكر، ويرى فيقدر ويُستدرُّ..

وبعد مرور عامين من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني واستعانته في تنفيذ برنامجه الانتخابي بطيف واسع من من يفترض فيهم الخبرة والمعرفة بالقطاعات التي كلفوا بتسييرها رغم وجود استثناءات واضحة في بعض القطاعات وعلى رأسها وزارات سيادية، وتركه الوزراء ومسيرو المرافق العامة يباشرون عملهم بأريحية بعيدا عن التوجيه والضغط، وربما المقاسمة والاقتطاعأو على الأقل هذا ما يبدواللمراقب من الخارج.

فإن مرحلة تقويم العمل بعد تقييمه قد تكاملت حلقاتها وآن أوان تنفيذها، وقد أُعطي الجميع الوقت الكافي وزيادة لينجزوا ويبنوا، أو يفسدوا ويبددوا  إذا ما رغبوا وقدروا.

ولتقييم منصف يمهد لتقويم مثمر سنتناول معالم من مثالب عمل الحكومة في العامين الماضيين مركزين على نوعين من الهدر هما: هدر الموارد وهدر هيبة الدولة على أن نتناولهما على التوالي في مقال من جزأين

هدر الموارد:  صفقات التراضي

حسب وكالة الأخبار المستقلة فإن صفقات التراضي في البلاد لمدة 13 شهرا بلغت 200 صفقة تراضي بغلاف مالي تجاوز 83.6 مليار أوقية قديمة تضمنت فترة المتابعة خمسة أشهر من 2020 ابتداء من 3-7 ثم ثمانية أشهر من العام الجاري ابتداء من يناير وحتى أغسطس الماضي وتصدرت القطاعات الحكومية التالية واقع صفقات التراضي:

وزارة المياه والصرف الصحي 18.7 مليار من خلال 19 صفقة تراضي

مفوضية الأمن الغذائي 18 مليار قديمة من خلال 87 صفقة تراضي

وزارة الإسكان 13.2 مليار من خلال 15 صفقة تراضي

وزارة التجهيز والنقل 10 مليارات من خلال 4 صفقات تراضي

وزارة الصحة 5.89 مليار من خلال 30 صفقة تراضي

وزارة التنمية الريفية أكثر من 5 مليارات أوقية قديمة من خلال صفقة واحدة

أي أكثر من 70.79 مليار أوقية قديمة بما يعادل 84.67% من مجموع ماتم رصده من صفقات تراضي..

ورغم أن قطاعي المياه والصرف الصحي و الأمن الغذائي تصدرا الصفقات بما مجموعه 36.7 مليار أوقية قديمة فإن إمدادات المياه في الفترة الماضية شهدت كثيرا من التذبذب والانقطاع بدرجة كان الجميع يظن بأن البلاد تجاوزتها، وغرق عاصمتنا الاقتصادية بثلاثين مم فقط في الأسبوع الماضي يؤكد أن الإنفاق على الأقل اتجه لغير الأولوية، ومشروع دكاكين التموين (أمل سابقا) تراجع تزويده في الفترة الماضية بدرجة غير مسبوقة قبل أن يعود تزويده في الأسابيع الماضية بشكل خجول وبكميات محدودة، وكانت التدخلات الاستعجالية في الفترة الماضية قليلة بسبب جودة موسم الأمطار من العام الماضي.

هذا بالرغم من سعي المشرع الوطني في مدونة الصفقات لتضييق حالات اللجوء لصفقات التراضي لأضيق حد توخيا للجودة وترشيدا للموارد،حيث وضعتالمدونة شروطا محددة للتفاهم المباشر من خلال القسم الثاني منها المسمى ب:الطرقالخاصةلإبرامالصفقات في المواد من 31- 34، وهو ما يحتاج لوقفة جادة لإبقاء صفقات التراضي في وضعها الاستثنائي وتوجيه العمل الحكومي لتحقيق الأولويات والابتعاد عن الهدر والتبديد فالحاجيات كثيرة والموارد محدودة..

 

 

 

إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ 

هود الآية 88