#هل_حان_زمن_التغيير_في_إيران؟/ إميل أمين

هل حان زمن التغيير في إيران؟/ إميل أمين

هل صدق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما تحدث الساعات القليلة الماضية بالقول: إن زمن التغيير قد حان بالفعل في إيران؟

 

أسئلة عديدة ومثيرة في ذات الوقت تنطلق بأسرع من المقدرة على  تحصيل إجابات، وفي المقدمة منها أيضا هوية او توصيف ما  يحصل في عدد كبير من المحافظات الإيرانية، وهل الأمر ثورة أم انتفاضة أو أنه أكثر من إنتفاضة وأقل من ثورة؟

 

في حوار لها مع صحيفة “لاريبوبليكا الإيطالية”.. رأت المحامية الإيرانية “شيرين العباد” الحائزة على جائزة نوبل للسلام أن التظاهرات في إيران ليست سوى “بداية حركة كبيرة” قد يفوق مداها إحتجاجات عام 2009 التي عرفت بالإنتفاضة الخضراء.

 

مهما يكن من أمر التسمية إلا أن المحركات تبدو واضحة للعيان، فهناك حالة من الإحتقان منذ أعوام طويلة بلغت حدا لم يعد من الممكن معه الصمت، ولذا بات الغليان هو الطريق إلى الإعتراض.

 

يستلفت النظر أن غالبية  المشاركين في التظاهرات تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاما، فيما مطالبهم الأساسية تتصل بتحسين أوضاعهم المعيشية ورفع الأجور وتخفيض الضرائب المفروضة عليهم والحد من إرتفاع الأسعار.

 

ولعل المفارقة هنا أنه كان ينتظر أن تتغير الأحوال وتتبدل إلى الأفضل من بعد عام 2015 أي من وقت توقيع الاتفاقية النووية مع  المجتمع الدولي، ذلك أن تلك الاتفاقية وفرت للحكومة الإيرانية مليارت الدولارات التي كان يجب استغلالها في تحسين أوضاع الإيرانيين المعيشية، لكن يبدو واضحا أن فكرة الهمينة والسيطرة عبر السعي في طريق التسلح لا تزال هي الحاكمة على  عقول القابضين على القرار في إيران، ولهذا كان ولابد من حدوث الإنفجار.

 

على أن مسألة الأوضاع الاقتصادية قد لا تكون هي المشهد برمته فيما يجري اليوم في إيران، ذلك لأن  هناك أسباب ومحفزات أكثر جعلت الشباب الإيراني يسعى للتصادم بهذا الشكل غير المسبوق مع  القوات الحكومية.. ما الذي جرى على وجه التحديد؟

 

بداية يمكن التعويل على فكرة الكبت والإسقاط، فقد عاني الإيرانيون لأربعة عقود من القمع والضيق والتمييز، فقد قمع نظام الملالي كافة الأصوات المناوئة، وأصبحت الدولة لحنا واحدا من التسبيح بحمد آيات الله من الملالي، وفي الإثناء تم إغلاق أو حظر  مواقع التواصل الاجتماعي والصحف، وفتحت السجون ولا تزال للعشرات وربما المئات من الناشطين في جميع إتجاهات الحياة، وعوضا عن أن تستغل الأموال المتحصلة من النفط  الإيراني في تحسين مستوى حياة الإيرانيين، ذهبت لدعم وتمويل وكلاء الحروب في الخليج العربي والشرق الأوسط، ما جعل الحياة بالنسبة للإيرانيين على هذا النحو ضربا من ضروب العبث.

 

لا ينكر أحد على  الشعب الإيراني أنه شعب وارث لحضارة إنسانية كبيرة، وكانت له مشاركات واضحة في مسارات الحياة حتى نهاية سبعينات القرن المنصرم، غير أنه مع ثورة الخوميني لم يعد الإيرانيون في عيون العالم سوى “حفنة إرهابيين”.. الأمر الذي اختصم كثيرا جدا من كرامة الأمة الإيرانية، ولم يعد يجدي التشدق الفارغ بالمشروع الثوري وتصديره إلى العالم الخارجي.

 

اكتشف الإيرانيون اليوم أنهم باتوا جماعة بشرية منبوذة من دول الجوار التاريخي، بسبب تصرفات القيادة التي تصر على معاداة دول العالم العربي من منطلقات إيديولوجية تارة ودوجمائية تارة أخرى، ما جعل حتى تأدية الإيرانيين للشعائر المقدسة كالحج والعمرة أمرا يكاد يكون غير مرغوب فيه بسبب الخطط التي يرسمها القائمون على الأمر في طهران، وجلها يخلط ما بين السياسي والديني.

 

حالة الثورة وصلت إلى حد حرق الحوزات الدينية، تلك التي تخرج القيادات الدينية الإيرانية ما يعني أن القضية الآن تجاوزت الإشكاليات الاقتصادية وتكاد تتلامس مع الرفض الكلي لمنهجية الثورة الإسلامية للخوميني وشركاه، وهو إنقلاب رهيب سوف يزلزل أركان الجمهورية الإيرانية في الحال والاستقبال، وبخاصة إن قدر له أن يمضي قدما.

 

والشاهد أن إيران اليوم أمام منحنيين: الأول لا يتوقع فيه أحد أن يستسلم ذلك النظام بسهولة، إذ حكما سيدافع القائمون عليه إلى النفس الأخير، وذلك حفاظا على  مكتسباتهم الشخصية وليس حفاظا على روح الثورة كما يدعون، وخطورة المشهد هنا  تتأتى من أن الحرس الثوري يمكنه أن يمارس نوعا قاسيا وقاتلا من المقاومة وهو ما تبدى جليا الأيام الماضية في دهس المتظاهرين وارتفاع أعداد القتلى، وينتظر أن تزداد المقاومة شراسة من جانب النظام ، كلما أصر المتظاهرون على مطالبهم الرافضة لإستمرار الأوضاع على ما هي عليه الآن.

 

أما المنحنى الثاني، وعليه تتوقف متغيرات وتحولات هذه الحركة، فيتصل بالأهداف والقيادة.. بمعنى هل هناك قيادة موحدة لتلك الحركة أم أنها حركة شعبوية بدون توجيه أو تشبيك؟ ثم وربما هذا هو الأهم هل لديها “مانيفستو” أي مطالب محددة  للوصول الى أهدافها المرجوة أم أن المسألة لم تتبلور على هذا النحو بعد؟

 

أحد أفضل العالمين ببواطن الأمور في إيران الخبير والمحلل السياسي الإيراني الأصل الأمريكي الجنسية “تريتا بارسي” رئيس المجلس الوطني الأمريكي الإيراني، يرى أن التحركات الحالية في إيران قد لا تتحول إلى ثورة كفيلة باجراء تغيير سياسي في البلاد بحال ظلت مفتقدة لقيادة واضحة.

 

وفي كل الأحوال قد يكون الوقت مبكرا لحسم المشهد الإيراني الآني، غير أنه يمكننا القول بأن عجلة الرفض الشعبوي للاستبداد السياسي القائم قد أخذت مسارها على الطريق، وربما يتحتم على المجتمع الدولي، وبخاصة الجانب الأمريكي، التعقل في إطلاق التصريحات، سيما وأن كل زخم يبديه ترامب لدعم المتظاهرين سوف يستغله الملالي في إضفاء التخوين على الثوار الإيرانيين الوطنيين، وربما لهذا نرى صمتا أوربيا لحين إنجلاء المشهد، صمت يتساوق مع الخبرة السياسية للأوربيين في معالجة الأمور من جهة، ومن جهة أخرى صمت لا يخلو من رؤية براجماتية، ولاشك فالأوربيون هم أكثر المدافعين عن الاتفاق النووي الإيراني، لما لهم من مصالح إقتصادية واضحة للعيان مع الإيرانيين، وإن أهملوا وراءهم الصواريخ الباليستية الإيرانية التي يمكنها  أن تطال العديد من دول القارة العجوز.

 

وفي كل الأحوال لا يمكن أن تكون معركة طهران سهلة ويسيرة، فقد لعب الملالي في العقدين الأخيرين على كثير من المتناقضات الدولية، واستطاعوا ربط أنفسهم بدواليب الدول الكبرى، لا سيما روسيا وتركيا وحتى الصين، وهو أمر يدركه أصحاب الحكم في طهران بشكل جيد ويراهنون عليه، غير أن هذا جميعه لايمكن له أن يثبت أو يدوم إذا انطلقت الإرادة الشعبية هادرة ثائرة كالطوفان، وهو المشهد الذي نرى بعض لمحاته مؤخرا على شاشات التلفزة الدولية.

 

تدفع القيادة الإيرانية اليوم ضريبة فرط الغرور التي تصيب الدول الكبرى، وهي مرحلة لم تصلها بعد، غير أن أحلامها في الامتداد والتوسع ورفع رايات الثورة الإيرانية على العواصم العربية كما حلم الخوميني ذات مرة، ستكلفها إخفاقا واسعا وكبيرا وغير مسبوق، إن لم يكن في المدى القريب جدا المنظور، ففي أقرب وقت، إذ على الباغي تدور الدوائر .