وباء كورونا عربياً وخليجياً / عبدالخالق عبدالله ومنى الريسي

بعد مرور نحو 100 يوم على أول إصابة في الإمارات وفي الخليج العربي وفي عموم الوطن العربي، لا يزال هذا الفيروس السريع الانتشار يفتك شرقاً وغرباً، وينتشر شمالاً وجنوباً ويقتل البشر في قارات العالم الخمس ولا يستثني أحداً.

 

حسب آخر البيانات، بلغ عدد الإصابات في العالم بفيروس كوفيد 19، نحو 3 ملايين شخص في 209 دول، وتجاوز عدد الوفيات حاجز الربع مليون وفاة.

الإصابات كما الوفيات عالمياً وعربياً وخليجياً في ارتفاع بشكل يومي، والمأساة والمعاناة الإنسانيتان لم تصلا الى الذروة، ومن بين هذه الوفيات والإصابات 1200 وفاة و110 آلاف إصابة في المنطقة العربية حتى الآن وذلك وفق بيانات منظمة الصحة العالمية خلال شهر مايو 2020.

 

إن أول ما يثير الانتباه في هذه البيانات التي تعلنها هذه المنظمة الأممية، هو التفاوت الشديد في انتشار كورونا خليجياً مقارنة بعدد الإصابات عربياً. فإجمالي حالات فيروس كورونا في دول الخليج العربي الست بلغ نحو 61 ألف إصابة، في حين أن إجمالي الإصابات في بقية الدول العربية الثلاث عشرة لم يتجاوز 21 الف إصابة، أي أن 75% من الإصابات في دول خليجية و21 الف إصابة 25% فقط سجلت في 13 دولة عربية، علما بأن إجمالي عدد سكان دول الخليج العربي لا يتجاوز 10% فقط من عدد سكان الوطن العربي.

ويتجلى هذا الفارق بوضوح أكثر عند مقارنة كل دولة خليجية بمثيلاتها من الدول العربية. فمثلا عدد الإصابات في السعودية 26 الف إصابة أي عشرة أضعاف العدد في العراق (2200 إصابة)، وعدد الإصابات في الإمارات بلغ 13400 إصابة أي عشرة أضعاف حالات كورونا في تونس (1000 إصابة)، وبلغ عدد الإصابات في أغنى دولة عربية من حيث معدل دخل الفرد قطر 15000 إصابة أي 20 ضعف عدد الإصابات في أكثر الدول العربية فقراً الصومال (533 إصابة). كذلك تجاوز عدد الإصابات في الكويت 4620 إصابة، ما يوازي 10 اضعاف الإصابات في الأردن (459 إصابة) التي أعلنت عن صفر إصابات لمدة أسبوع كامل. ولا يختلف الأمر بالنسبة لكل من البحرين 3273 إصابات وعمان 2483 إصابة، التي تشكل أضعاف مضاعفة لعدد الإصابات في كل من جيبوتي وموريتانيا.

 

لكن في حين أن عدد الإصابات بكورونا مرتفع نسبياً في دول الخليج العربي، إلا ان هذه الدول هي أيضاً من الدول القليلة جداً التي سيطرت بنجاح على عدد الوفيات وأبقته في أدنى مستوياته وذلك خلافاً للوفيات في بقية الدول العربية، بل أن نسبة الوفيات إلى إجمالي الإصابات في الدول الخليجية لا تتجاوز 0,3% وهو من بين أدنى معدل الوفيات عربيا 4% وعالميا 7%. في هذا المؤشر هناك تفوق خليجي لا يجاريه أي تفوق آخر ويحسب لصالح النظام الصحي الخليجي.

 

مهما كان الأمر بالنسبة لمعدل الوفيات، فإن دول الخليج العربي هي الأكثر تضرراً في مؤشر إجمالي الإصابات وبفارق شاسع جداً عن بقية دول المنطقة العربية. وتبدو المقارنة بليغة عندما تتمكن دول عربية كالأردن وموريتانيا من احتواء الوباء وبلوغ الذروة، في الوقت الذي تسجل دول الخليج العربي تزايدًا في الحالات بشكل يومي، ولم تصل الذروة ولا يبدو ان منحى الإصابات سينحني قريبا.

 

كل ذلك يثير السؤال المشروع: لماذا ست دول خليجية نفطية وغنية ومتقدمة في نظمها الصحية وبنيتها الطبية وقليلة السكان نسبيا لكنها، في نفس الوقت أكثر تضرراً من كورونا من 13 دولة عربية ليست بنفس المستوى من الغنى قياساً بمعدل دخل الفرد، ولا تملك نفس النظم الصحية المتقدمة علاوة على الفارق السكاني الكبير؟ ما الذي يفسر ان هذه الدول تسجل 75% من الإصابات بفيروس كورونا في المنطقة العربية بأسرها؟ وكيف بلغ عدد الإصابات في أصغر دولة خليجية نحو عشرين ضعف عدد الإصابات في أكبر دولة عربية؟

 

إن أول سبب يتبادر الى الذهن هو القرب الجغرافي لهذه الدول من إيران، التي برزت ثاني أكبر بؤرة لتفشي فيروس كورونا في العالم بعد الصين. فمعظم الإصابات الأولى في البحرين وقطر والسعودية والكويت جاءت من الجار الإيراني. علاوة على ذلك، فإن ما يميز دول الخليج العربي عن بقية دول المنطقة هو انكشافها الشديد على العالم عبر موانئها ومطاراتها التي تستقبل سنويا أكثر من 120 مليون مسافر. كما أن دولة خليجية واحدة كالإمارات تستقبل 22 مليون سائح سنوياً أي أكثر من أي دول عربية أخرى. لذلك فالدول الأكثر اندماجا في النظام العالمي هي من أكثر الدول عرضة للإصابة بالفيروس من غيرها.

 

يلاحظ أيضاً أن دول الخليج العربي منفتحة بشكل خاص على الصين والهند وقارة أسيا. مما يعني أن الدول العربية الآسيوية سجلت إصابات بالفيروس أكثر من الدول العربية التي تقع في أفريقيا. وقد تكون هناك علاقة وثيقة بين الإصابات وعدد الفحوصات الطبية. فدول الخليج العربي أجرت أكبر عدد من الفحوصات الطبية نسبة إلى عدد السكان، حيث جاءت الإمارات في الترتيب العالمي الثاني بعد نيوزيلندا في هذا المؤشر. لذلك فالدول العربية التي لا تجري فحوصات طبية قد تخفي حقيقة انتشار الوباء في المجتمع.

ثم هناك سبب آخر له علاقة بواقع الخلل السكاني الذي يميل لصالح الوافدين على حساب المواطنين في دول الخليج العربي. ففي الكويت مثلاً، لا تتجاوز نسبة الإصابة بين المواطنين 16%، مقابل 84% بين الوافدين. لا شك أن الخلل السكاني يشكل سبباً مهماً من أسباب ارتفاع الإصابات بدول الخليج العربي.

 

علاوة على كل ذلك، تبدو الدول الغنية عموما أكثر تضرراً من فيروس كورونا من الدول الفقيرة في العالم. ف 60% من إجمالي الإصابات على المستوى العالمي سجلت في ست دول هي من أغنى الدول؛ أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. هذا الامر يتكرر بكل وضوح خليجياً وعربياً، فالدول العربية الغنية أشد تضرراً من الدول العربية الفقيرة نسبيا.

 

التفاوت واضح في الإصابات بفيروس كورونا خليجياً وعربياً، وبين الدول العربية الغنية والفقيرة والآسيوية منها والأفريقية، وتلك المنكشفة على العالم والأقل انكشافاً؟ وهل ستتغير البيانات لاحقاً خاصة أن وباء كورونا لا يزال يجتاح العالم ومستمرا في حصد الأرواح ولم يبلغ مداه في تعطيله للحياة وفي ما أحدثه من دمار اقتصادي مروع لم يسبقه إليه أي وباء آخر؟

المصدر : إيلاف

د عبدالخالق عبدالله أستاذ العلوم السياسية من الإمارات

منى الريسي كاتبة وإعلامية من الإمارات