100 عام من العزلة: عن وعد بلفور دلالاته ومفاعيله

الناصرة ـ «القدس العربي» ـ وديع عواودة:

100 عام من العزلة: عن وعد بلفور دلالاته ومفاعيله

لولا وعد بلفور لما كانت إسرائيل ولما بقيت. هذا ما يجمع عليه مؤرخون وباحثون فلسطينيون كثر تحدثت «القدس العربي» إلى بعضهم. بريطانيا وكل دول الغرب ما زالت تعتبر إسرائيل البنت المدللة، مما يفسر هذه الحفاوة التي استقبلت بها بريطانيا الرسمية رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو قبل أيام. ولا شك أن «الفرج العربي» كما كان يقول الأديب الفلسطيني الراحل أميل حبيبي، قد شجع وما زال بريطانيا وشقيقاتها في الغرب على دعم إسرائيل بتطبيعهم المتواصل سرا وعلانية.

ولكننا كفلسطينيين ممن عانوا 100 عام من العزلة، عزلة أقسى بكثير من عزلة بعض شخصيات رواية ماركيز، لنا دور في هذه الكارثة المتدحرجة. إذ أننا لا نعتمد دائما على العقل وركنا لقوة الحق فقط وما زالت كل واحدة من مؤسساتنا الوطنية عزبة لهذا المسؤول وذاك. هنا وهناك أيضا ما زال الكثير من قادتنا يفضلون الأنا على الحزب، ويفضلونهما على الوطن حفاظا على عزبة كل منهم.

في المقابل اعتمد من لا يستحق الوعد على الرؤية المتبصرة والخطة والقوة والعزم وشارك في إنتاج ما وصفه وزير خارجية بريطانيا جونسون في الأسبوع الماضي بـ «العجيبة». دروس بلفور كثيرة ولم نأخذها في الماضي كما ينبغي بل سخر كثيرون منا به بالقول «فليسقط واحد من فوق» فهل نأخذها اليوم ونتعلم ممن منحه وممن فاز فيه؟

 

خطورة بلفور

 

قبل أيام حلت الذكرى المئة لتصريح جيمس آرثر بلفور ـ وزير خارجية بريطانيا ـ في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 والذي بعثه لأقطاب الحركة الصهيونية وايزمان وروتشيلد. ورغم مرور قرن فقد أثار ضجة واسعة خاصة لدى الجانبين الفلسطيني والعربي. ويمكن فهم الضجة بالعودة للنص المقتضب والخطير لذاك الوعد الذي منح فلسطين لقلة لم تتعد الـ 58 ألف يهودي في فلسطين وحول الأغلبية العربية فيها البالغ عددها زهاء نصف مليون نسمة لمجموعة أقليات يرجى الحفاظ على حقوقها المدنية لا السياسية، بل تحدث عن وطن قومي لليهود فيها، وفعليا على طل أراضيها بدليل عدم ذكر أي كيان سياسي آخر فيها. جاء في تصريح بلفور أن بريطانيا العظمى تنظر بعين الرضا لسعي اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لباقي الطوائف الدينية الأخرى. في هذا التصريح وضعت أسس السياسة البريطانية طيلة فترة الانتداب والتي ترى في اليهود في فلسطين شعباً تنطبق عليه مواصفات الشعوب الطامحة للاستقلال والسيادة في حين لم تر في الأغلبية العربية الفلسطينية ( 92٪ من سكان فلسطين يوم إعلان التصريح ) شعباً تنطبق عليه هذه المواصفات، بل مجموعة من الطوائف الدينية التي توصي بمنحها حقوقاً مدنية وتجريدها من حقوقها القومية والوطنية. تصريح بلفور هو المعادلة التي قام عليها الوطن القومي اليهودي الذي أسس لدولة إسرائيل ومنح الصهيونية دفعة معنوية هائلة من خلال الاعتراف بشرعيتها وشرعية أهدافها بل تبييضها من حركة استعمارية ـ استيطانية إلى حركة تحرر قومي. ولهذا سماه العرب «الوعد المشؤوم» وتظاهروا واحتجوا ضده وضد صاحبه عندما زار بلفور فلسطين في آذار/مارس 1925. في المقابل ولأسباب مفهومة أطلق مستقبلو بلفور من أقطاب الحركة الصهيونية عليه لقب «ملك إسرائيل» وقامت بلدية تل أبيب بإطلاق اسمه على أحد شوارعها الرئيسية في العام 1922.

 

ثمن باهظ

 

وقد حذت حذوها بعد ذلك عشرات البلدات والبلديات الأخرى على مدار القرن الأخير. وقتها أصدر بلفور تصريحه دون أن تكون بريطانيا مالكة لفلسطين بأكملها (دخل الجيش البريطاني القدس في التاسع من كانون الثاني/يناير 1917 والناصرة في التاسع عشر من أيلول/سبتمبر 1918). ولكنه جاء بعد يومين من احتلال يافا وثلاثة أيام من احتلال غزة وبئر السبع.

ويؤكد المؤرخ المختص في التاريخ الفلسطيني بروفيسور مصطفى كبها، كما يؤكد بقية المثقفين الفلسطينيين، أن بلفور- المنتمي لحزب المحافظين المتشدد ـ وحكومته تجنى على الشعب الفلسطيني الذي دفع ثمنا غالياً لهذا «الكرم الحاتمي» وما زال يدفع أثمانا باهظة حتى أيامنا هذه منعته من الاستقلال وتحقيق أمانيه الوطنية بالسيادة. وهو يعبر عن موقف أوساط فلسطينية واسعة بدعوة بريطانيا العظمى للاعتذار عن جريمتها وأن تجد الطريق والطريقة لتعويضه عن هذا الإجحاف التاريخي وذلك مع صعوبة تصور تعويض شعب عن معاناة قرن كامل من الزمن وفقدان وطن لا يباع ولا يشترى مهما علا الثمن.

 

الشرعية الدولية

 

لم يكن هذا الوعد ليكون بهذه الأهمية لولا تحوله إلى وثيقة معتمدة من قبل عصبة الأمم ليتحول إلى سياسة رسمية دولية. بهذا المعنى، كان الفلسطينيون ضحايا ما يجري تسميته بـ «الشرعية الدولية « لأنها لم تكن حينها سوى تعبير عن إرادة الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. تجلى ذلك فورا بتحويل وعد بلفور إلى جزء من كتاب الانتداب(الاستعمار) على فلسطين وباعترافه بالمؤسسات الصهيونية باعتبارها ممثلا لقومية يهودية. لم تكن الصهيونية حتى تلك اللحظة تحظى بتأييد كبير بين اليهود ولَم تنجح إلا في استجلاب عشرات الآلاف إلى فلسطين فقط لا غير. إلا أن الاعتراف البريطاني المدفوع باعتبارات وحسابات ذاتية واستعمارية بهذه القيادة وهذه المؤسسات توّجها ونصبها ممثلا، وبالتالي حسم النقاش الداخلي بين اليهود أنفسهم حول سؤال من يمثلهم على الساحة الدولية. اعترفت أوروبا الكولونيالية باليهود كشعب خارج أوروبا فقط وأنكرت عليهم هذه الصفة في أوروبا نفسها، فكان الخروج من أوروبا شرطا مضمرا كي يتحول اليهود إلى شعب معترف به، وبذلك شقت الطريق لحل مشكلة اليهود في العالم على حساب الشعب الفلسطيني على مبدأ «وعد من لا يملك لمن لا يستحق». في 1917 لم تكن لوعد بلفور لحظة صدوره أي قيمة قانونية، فهو عبارة عن تصريح فردي، موجه إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الدولي، إضافة إلى مخالفته للقواعد الآمرة في القانون الدولي ومعايير اعتماد المعاهدات الدولية. إلا أن بريطانيا عملت على تغليف الوعد بالقيمة القانونية والشرعية الدولية بدءًا من مؤتمر باريس 1919 بعد إقرار صك الانتداب، ثم في معاهدات مختلفة دولية كثيرة.

 

سايكس بيكو

 

ولد وعد بلفور في سياق تاريخي خططت فيه الدول الأوروبية الاستعمارية تقسيم الوطن العربي والهيمنة عليه كما تمثل في اتفاقية سايكس بيكو قبل عام في 1916.

وقد التقت التوجهات الاستعمارية الأوروبية هذه مع مصالح الفئات اليهودية المستفيدة، في حين عارضتها قطاعات واسعة من اليهود ورفضت التورط في هذه المغامرة، بل أطلقت على دعاتها تسمية الصهيونية اللاسامية. على الرغم من الأهمية الهائلة لوعد بلفور في تطور المشروع الصهيوني، ومظاهر الانفعال والترحيب التي قوبل بها صدوره، إلا أن ردود الفعل تجاهه لم تكن أحادية البعد في الجانب اليهودي. ففيما عدا الجمهور اليهودي غير الصهيوني، الذي تخوّف من إمكانية أن يضر «الوعد» بعمليات ذوبان اليهود في دول الغرب، والجمهور الديني ـ الحريدي، الذي رفض وعد بلفور، وذلك لأنه رفض مبدئيا المشروع الصهيوني القومي العلماني، فقد أثار وعد بلفور في صفوف الصهيونيين أيضا، الذين أيدوا صدوره، مخاوف وشكوكا. وقد نبع التحفظ في المقام الأول تجاه وعد بلفور ذاته من دوافع عملية.

 

آباء الصهيونية

 

ويعالج المؤرخ الفلسطيني د. جوني منصور في كتابه الجديد (مئوية تصريح بلفور» : 2017-1917) الطريق التي سار فيها قباطنة المنظمة الصهيونية في سبيل الحصول على تصريح يدعم مطلبهم بإقامة كيان- دولة في فلسطين على أساس ذرائع واهية ووهمية. وكانت المنظمة الصهيونية قد تفاوضت مع عدد من الحكومات الأوروبية لنيل تصريح من طرفها، ولكن في نهاية مسار التفاوض صدر التصريح عن الحكومة البريطانية بتوقيع بلفور وزير خارجيتها في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917. يعكس الكتاب بصورة تفصيلية كيفية تطور فكرة الدولة في أوساط آباء الحركة الصهيونية وصولا إلى هرتزل، ومن ثم انتقالها إلى المسار العملي على يد حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية الذي تلقى هدية بلفور. ويحسن الكاتب منصور تبيان الصلة القوية والعميقة بين الفكر الاستعماري والاقتلاعي الصهيوني والفكر الاستعماري الغربي وعلى وجه الخصوص البريطاني. موضحا أن هذه الصلة عززت من المشروع الصهيوني في الاستيلاء على فلسطين تدريجيا في فترة الانتداب البريطاني بدعم واضح من حكومة لندن، ومن ثم الانقضاض على فلسطين والفلسطينيين في مدنهم وقراهم في 1948. متفقا مع منصور يرى المحاضر في العلوم السياسية بروفيسور أسعد غانم إن قيام دولة إسرائيل حقق فعليا ما ورد في تصريح بلفور، ولكنه لم يضع حدًّا للنضال الفلسطيني والعربي من أجل تحقيق مشروع الدولة الفلسطينية. لهذا يقول إنه ليس صدفة أن يصدر كتاب منصور في ذكرى مئة عام على التصريح، وفي ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة من عمليات تمزيق وتفكيك، لتكون له مقولة أساسها أن التصريح هو مرحلة تأسيسية لاقتلاع الشعب الفلسطيني وإحلال شعب آخر مكانه، وتغيير جيوبوليتي في فلسطين والمنطقة برمتها. وعلى الأمة العربية الاستفادة من دروس الماضي لحاضرها ومستقبلها.

 

أكبر سطو مسلح في التاريخ

 

وتتفق معهما الباحثة د. هنيدة غانم مديرة المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية في رام الله وتقول إن وعد بلفور عبارة عن قوننة أكبر عملية سطو في التاريخ الحديث ووصمة عار في جبين دولة ديمقراطية كبريطانيا لم تتحرر بعد من رواسبها الاستعمارية.

منوهة لمضي بريطانيا في دعم المشروع الصهيوني بدلا من التراجع والاعتذار عن مشروع رعته بيدها وسهلت اقتلاع شعب وإحلال شعب آخر محله مما تسبب في نزيف تحول إلى بحر من الدم والدموع لا أحد يرى نهايته اليوم. وتتوقف غانم عند عدم اكتفاء بريطانيا بهذا الوعد الخطير بل أنما طوعت قدراتها لتطبيقه من خلال الانتداب الذي تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وفقا لما جاء بيانه في ديباجة هذا التصريح.